Frankenweenie – 2012

“تيم برتون” الذي فشل وفق أكثر القراءات النقدية مطلع العام الفائت في “ظلاله الداكنة” يقدم لنا هذا العام واحداً من أجمل أفلام الأنيميشن تحت اسم “فرانكينويني” في تجديد كرتوني ساحر لفيلمه ذي العنوان ذاته الذي قدمه في العام 1984.. هو ليس فيلما ً للأطفال يمكن لنا أن ننصحهم به, فالتضمينات المرعبة والمادة العلمية التجريبية الخطرة تبدو غير ملائمة أبداً للصغار؛ لذا فهو فيلم يتوجه نحو الكبار باسم الأطفال الذين سيجدونه فيلماً مرعباً بموسيقاه وأشكاله وأفكاره, تماماً كما سبق وقالت “ديزني” عن الفيلم السابق, حتى تسبب ذلك الفيلم في حدوث برق ورعد بينها وبين “برتون” إلى حين أن قدم لهم فيلماً ناجحاً (اليس في بلد العجائب – 2010).. “فرانكينويني” يحاكينا جميعاً بشكل مخيف ليقول لنا ببساطة (لا يأس مع التصميم) ولكن (احذروا من اللعب بالأقدار).. ويدق ناقوس الخطر حول الاستفادة غير الأخلاقية من العلم التي تضع العالم دائماً على شفا الكوارث. إن لم تشاهد فيلم “فرانكينويني” في نسخة العام 1984 القصيرة نسبياً فلا تنزعج عزيزي القارئ.. فليس الفيلم الجديد تكملة لها.. بل هو تجديد لها مع بعض الإضافات المرعبة!

يستحضر “برتون” في فيلمه الذي انطلق به مهرجان لندن السينمائي السادس والخمسين, أفكار أفلام الرعب الكلاسيكية الشهيرة حول الإنجازات العلمية الخارقة التي بانكشافها تؤدي إلى خروج العلم عن السيطرة.. ومن كلاسيكيات الرعب أخص بالذكر الرائعة (عروس فرانكشتاين : The Bride of Frankenstein – 1935) الذي فضلاً عن تقارب فكرة الصدمة الكهربائية في إيقاظ الموتى؛ فإنه يمكن لنا أن نرى تأثيراته في الأشكال بشكل أو بآخر داخل العمل, إن كان في الأجهزة التي استخدمها “فيكتور” في تجربته على كلبه الحبيب “سباركي”, أو في خطوط بيضاء في وبر رأس “بيرسوفوني” الكلبة الودودة عند الجارة الطفلة “إلسا” بعد أن صعقتها شرارة من كهرباء “سباركي” العائد إلى الحياة. هذه المرة فإن “برتون” يقدم في مزيج من الكلاسيكية والحداثة تجديداً يبدو ناجحاً بكل المقاييس لفيلمه الأبيض والأسود, ومن نفس ديزني أيضاً التي أعطته 39 ميلون دولار لتجديد ما اعتبرته من قبل فشلاً! مع إضافة تقنية الصورة ثلاثية الأبعاد لنسخته الكرتونية الجديدة التي استمرت كسابقتها وأمّها دون ألوان.. ومن الواضح أن المخرج “الباتماني” يحاول أن يسوّق أسلوبه غير الملون الذي سبق واعتمده في نسخة “فرانكينويني – 1984” كما في فيلمه الكوميدي (Ed Wood) مع “جوني ديب” العام 1994 الذي لم يغب عنه الرعب فقد كان”إد وود” بارعاً فيه, يفرض أسلوبه الداكن ليجعلنا نركز أكثر على القصة لا الرتوش, ويزيد من عمق حالة القلق التي تنتابنا مع المشاهدة.

تستلذ السينما بأفكار بعث الموتى إلى الحياة أو حتى عودتهم للحياة بتدخل بشري أو دونما تدخل بشري؛ هذه الفكرة غير الجديدة والتي لطالما لاحقت المشاهد والشخصيات المخيفة والأرواح والأشباح والأجساد المسكونة… تفرض إيقاعها منذ القدم على أفكار سينما الرعب. ولعل “برتون” مع “فرانكينويني” في محاكاته الطفولية للموضوع لم يرد أن يجعل من كل المخلوقات العائدة إلى الحياة ذات طابع شرير بقدرما أراد أن يوصل رسالة فكرية تتعلق بالعلم بحد ذاته على أنه سيف ذو حدين. فالشخصية المحببة التي عادت للحياة “سباركي” كانت نتاج تجربة مملوءة بالحب لاستعادة من نعشقه من مبدأ الحاجة والأمل والود والرجاء.. أما التجارب اللاحقة التي قام بها باقي الأطفال فكانت بدافع الحسد والغيرة وحب السيطرة والظهور والطمع, فكانت نتاجاتها وحوش مشوهة شريرة شرسة.. إذاً فنتيجة العلم تتعلق بالغاية منه؛ فإن استخدمته لغرض الخير فهو خير وسعادة ورخاء وهناء.. وإن استخدمته بقصد الشر فهو الشر بعينه بشتى وجوهه.

قصة العمل ببساطة تدور حول الفتى النابغة الإنطوائي “فيكتور فرانكشتاين” (أداه صوتياً شارلي تاهان) وكلبه “سباركي” صديقه الوحيد.. نرى إبداعات “فيكتور” داخل المنزل مثلاً في انتاجه لفيلم صوره بنفسه (وبتقنية ثلاثي البعد أيضاً :-)) أبطاله ألعابه وكلبه, وفي مقابل هذا الإبداع نرى أن والدي “فيكتور” متأففان من بعده عن باقي الأطفال من مثل سنه ومن وحدته, فليس عنده من أصدقاء أو علاقات أو ألعاب, حتى رفاق المدرسة ما هم إلا زملاء في وقت الدراسة لا غير.. وله الطفل بالعلوم وتعلقه الشديد بمدرّس العلوم غريب الأطوار “رزيكروسكي” (صوت مارتن لاندو), ورغبته العارمة في الفوز بجائزة مشروع معرض العلوم, كانت جوانب عدة أوضحت لنا شخصية الطفل “فيكتور” فهو لا يبالي كثيراً بما يبالي به أقرانه, وليس لديه هوايات تناسب سنّه, ويحاول أن يقرن كل شيء بالسبب, حتى أنه لم يكترث بنبوءات المستر “وسكرز” القط غريب الشكل عند زميلته في المدرسة, والذي كان يتنبأ بحوادث ومصائب و”لعنات” تصيب من يرواده حلم حولهم, وكانت صاحبته ذات الوجه المندهش البارد تعرف الأشخاص الذين حلم قطّها بهم من خلال أحرف أسمائهم التي تظهر في برازه! ويبدو أن نبوءة القط لم تكن لتخيب.. ففي اليوم الذي أصر فيه والد “فيكتور” على اصطحاب ابنه للعب البيسبول للمرة الأولى؛ كانت النتيجة أن الكلب “سباركي” في محاولة منه لمساعدة خليله “فيكتور” وإرشاده إلى إلى موضع الكرة قد دهسته سيارته, فأفقدت الطفل صديقه الوحيد.. ورغم مواساة الأهل, إلا أن الطفل لم يتمكن من قبول موت كلبه, وتراءت له التجربة العلمية التي قام بها المدرّس “رزيكروسكي” على ضفدع لإثبات أن تقلص العضلات هو عملية كهربائية, فقرر أن يعتمد على البرق المنتشر بشدة في منطقة إقامته في صعق جثة كلبه الميت علّه يعود للحياة. وهذا ما كان بالفعل, إلا أن عودة “سباركي” إلى الحياة كانت شيئاً سيسبب مشاكل عدة بشكل طبيعي, لذا فقد منع الطفل الكلب أولاً من الخروج.. ثم كان اقتضاح أمر “سباركي” كفيلاً بفتح أبواب المشاكل, فقد علم الصغار بالتجربة وأرادوا تطبيقها ليس لاستعادة حيواناتهم الأليفة بل بغرض تحقيق إنجاز أكبر يؤهلهم للفوز بمشروع معرض العلوم.. فكانت النتيجة سلسلة من الحوادث والمشاكل التي لا أرى استحباب ذكرها لكي لا أحرق على المشاهد المتابعة.

من المبهج أن نرى أن أول تجربة 3D بالأبيض والأسود تحقق بعض النجاح المشار إليه. وأظن أن جو الإخافة الذي أظهره “برتون” كان متميزاً نشعر به منذ بدء الفيلم مع ظهور شارة ديزني التي تبدأ ملونة قبل أن تتحول إلى تدرجات الرمادي مع إنعطاف الموسيقى نحو إتجاه الرعب. ومن الممتع حقاً أن “برتون” قد ارتكز حتى في الصورة على فيلمه السابق الذي لم يكن كرتونياً, حيث كانت الصور والمشاهد متقاربة إلى أبعد حد, حتى أن الحوارات في كثير من الأحيان كانت متطابقة. مونتاج الصورة كان جيداً جداً, واعتماد التقطعات المونتاجية والقفزات من مشهد لآخر والتي تناسب كثيراً الجو الطفولي كان موفقاً ولـ”برتون” تجارب أخرى فيه مع (كابوس قبيل عيد الميلاد : The Nightmare Before Christmas)من إنتاجه و(العروس الجثة :Corpse Bride) من إخراجه. على صعيد الإظهار اعتمد الفيلم على شكل الشخصية لنعرف حقيقة أوصافها فالجارة ناعسة الملاح هي شخصية كسولة, والقط غريب الأطوار ذو العينين الغريبتين يتحول إلى مصاص دماء… النص مملوء بقلق الطفولة المشوب بالذنب, وقد دعم عدم وجود اللون وقلة المشاهد النهارية واعتماد الضواحي الباردة والمقابر من هذه الفكرة.. كما نرى تجسيداً “غودزيلياً” للوحش السلحفاتي “شيلي” العائد للحياة كشخصيات مرعبة قد يعرفها الأطفال من بعض الأفلام أو على الأقل يسمعون بها. الأصوات كان ناجحة جداً لتعطي الأداءات حقها, وأشيد بشكل خاص بالأداءات الصوتية لـ”شارلي تاهان” و”كاترين أوهارا” و”وينونا رايدر”. الموسيقى أدت دوراً بارعاً في توجيه العمل وصبغه بصبغة مرعبة مخيفة ذات طابع مؤثر بالفعل. حتى أغنية النهاية (Strange Love) فهي مميزة ومناسبة. ومن أجمل المقاطع في العمل هو رواية المدرس “رزيكروسكي” حول حدوث البرق والصواعق. المقطع تضمن حقائق علمية صحيحة ودقيقة, ولكن أسلوب روايته للمعلومة كان مرعباً جداً, وزاد في رعبه وجه المدرس وصوته وأصابعه النحيلة الطويلة التي كان يستخدمها في الإيضاح.

بصرف النظر الآن ودون أن نسأل من تغير “ديزني” أم “برتون” اللذان يبدوان معاً فخورين حالياً بتجديد عمل فشل من قبل… فـ”فرانكينويني” باختصار هو قصة طفولية مرعبة وفيلم لذيذ مذهل, تم توظيفهما بشكل ماهر ليقدم عبرة جميلة وذات معزى عميق, لتكون هذه المرة أحد أجمل أفلام الأنيميشن للعام 2012.. وحتى ولو كان (أليس في بلاد العجائب) ممتعاً فإن (فرانكينويني) هذا هو في نظري أفضل.. ليس الأفضل, لكن أفضل ما قدمه “برتون” مؤخراً.

للإطلاع أكثر ومراجعة ما ورد في مراجعتي:
The Bride of Frankenstein – 1935 Trailer