خــــالدات كــوبريك (3) Dr. Strangelove مشـــهد الــــنـــهايــة الجنوني للكــوكب الارض

افكر في رحيل الى استراليا لانها بعيدة عن مرمى الاسلحة النووية ..” كوبريك

Dr Strangelove

وضعت الحرب العالمية الثانية اوزراها و استرخى الامريكان و الروس لحال سيطرة على العالم و تقاسم غنائم ما بعد حرب العالمية الثانية على مستوى النفوذ الجغرافي و السياسي .. امريكا رمز الرأسمالية الغربية المتسلطة و روسيا الشيوعية اكثر التزاما بقضايا الانسان و بالتالي السيطرة التي تلزم بالنخبة بتوزيع فوائض الانتاج على العباد ،، نرجيسية هذه القوى العالمية حولت الاديولوجيات الفكرية الى معتقدات و ثوابث غير قابلة للمساومة انهت بانقسام العالم الى جناحين الغربي و الشرقي و سعى كل جناح من هذه القوى العالمية الى السيطرة و التحكم و سَعي الدائم الى امتلاك القوة الفكرية و العلمية و بالتالي التسلحية للمواجهة الخصم العدو و هو ما عـُرف تاريخيا بالحرب الباردة ، سعى الطرفان المتصارعان الى امتلاك اسلحة الدمار الشاملة النووية التي تستهدف بالضرورة الحفاظ على التوازن في العالم او ما عرفت بتوازن الرعب النووي ، و خلال تاريخ البلدين بعد الحرب العالمية الثانية كان هناك الكثير من الاحداث التي جعلت العالم يقترب بشكل كبير جدا من يوم الدمار بحيث يتنهى كل شيء على كوكب الارض كـأزمة خليج الخنازير في عهد ازنهاور و ما تبعها من اجراءات من قبل روسيا و ما عرف ايضا بأزمة الصواريخ الكوبية حيث كان العالم على شفى حرب نووية طاحنة لا تبقى ولا تدر من البشــِر احدا ،كما كانت شعوب من كلا الجانبية تنتظر ساعة الصفر لهذهِ الحرب الطاحنة زكى الاعلام و صراع الاديولوجي و تبادل الاتهامات السياسية بين البلدين و وجود متطرفيين من كلا الجانبين مستعدون للتضحية بمبدأ الوطنية و الغيرة على الوطن الذي هو على وشك ان يُحتل من قبل القوى الحمراء المعادية لكل ما هو رأسمالي حر و العكس بالعكس .. الوسواس الذي يعانيه كوبريك و خوفه الدائم في ان يكون ضحية خطأ بشري لا يستحق الذكر ، جعله يفكر جديا في موضوع فيلم عن الحرب النووية الطاحنة التي يتأهب لها العالم ولا احد يعرف متى ستكون بسبب التصاعد الخطير في لهجة الخطاب بين القوى النووية ،، كوبريك سيجعلنا كبشر نفكر من جديد في جدوى الحرب و منظريها ماذا لو انطلق صاروخ نووي دون سابق انذار ؟ ماذا لو طار احدهم يوما و كانت الالة الفتاكة في حضرته كلها سمع وطاعة و هي من اختراع الانسان ولا شيء يثنيها عن القيام بمهمة الفتك بالبشر ..كوبريك بما هو معروف عنه ينظر الى الحياة من تلك الزاوية السودوية القاتمة و العدمية بسبب التناقضات الحياتية التي يحب ان يضعنا في جوهرها كبشر نمارس حياتنا داخل هذه الدوامة من التناقضات الغريبة جدا ، تشبهنا هذه التناقضات حين نرتدي ثوب اليقين و سلطة امتلاك الحقيقة حين تكون شخصيات الدكتورسترنجلوف و الفيلم عموما احد اكثر افلام كوبريك التي تغص بالجنون الشخصيات و العدمية الفكر و المجون اللغة و الاسماء التي استخدمها كوبريك لشخصياته الدلالية و الرمزية في آن واحد حول مصير عالم يفكر قادته في الخصوبة و النساء بينما لا يجدون حرجا في التسابق لاختراع اكثر السبل فتكً به ، نظرية كوبريك العدمية يتجد صداها لدى الانسان الغربي دائما و ابدات اكثر حضورا في ابجدياته حين تبلغ القلوب الحناجر في ساعات الحسم ، كوبريك بلغة ساخرة كوميدية سودوية يطرح اسئلة كبرى بصغية مخالفة لما طرحه حين انتقد الحرب في اوروبا في “طرق المجد ” كان واعيا في الدكتورسترنجلوف بانه يتناول وقائع خيالية شخصيات خيالية شاذة متطرفة ، قابلية حدوث سيناريو شبيه قائمة جدا في زمن الذي اخرج فيه كوبريك الفيلم بحيث بلغت الحرب الباردة اوجها و زينت و كان العالم الغربي او شرقي في انتظار النسخة الثانية من مشهد هيروشيما ..

“يجب ان تبدو كطاولة بوكر بحيث يجلس الرئيس الامريكي و السفير السوفياتي و الجنرالات يلعبون البوكر للمقامرة بمصير العالم …” كوبريك

لا يتورع كوبريك في انتقاد مؤسسات الحرب في اي مكان فكما سبق له ان شن هجوما عنيفا على فرنسيين في “طرق المجد” يعيد فعلها و يجمع هنا نخبة الساسة و الجنرالات في قاعة واحدة ليراجع فكرة الحرب الباردة انطلاق من خطأ بشري عرضي ارتكبه احد الجنرالات الغيوريين على امريكا التي تفقد شكلها و طعمها بسبب الشيوعيين حتى انه يعتقد يقيناً ان المياه في امريكا ملوثة بسبب المؤامرة الكونية الحمراء التي تقودها روسيا ، يُظهر كوبريك انضباط بشكل الموضوع و رعاية النص السينمائي للفيلم ايما رعاية بحيث كل لفة من الفيلم كانت خادمة للجوهر الفيلم الرمزي ، و هذا كان مفقودا في مشروعيه السابقين لوليتا و سبارتوس بسبب شراكات الانتاجية المتعددة و الرقابة التي حالت دون ضخهِ لما كان يتمنى ان يقدمه من تحرر ،، قصة كوبريك مع ناسا تبدأ من هذا التاريخ فقط طلب صور للطائرات حربية امريكية و تحديدا B52 قوبل طلبه بالرفض كما عانى كثيرا في ايجاد ستوديو يقبل تصوير فيلم بهذه المواصفات الثائرة على الشكل التهريجي للسينما الكوميدية الامريكية ما قبل الدكتورسترجلوف فليس تمت ما يمكن تسميته كوميديا سوداء في السينما الامريكية الا بعد الدكتورستنجلوف الذي حرر عقدة لسان السينما الامريكية التقليدية و حولها الى سينما تعالج مواضيع حساسة و ذات وزن سواء في السياسة او غيره ،فكان لهذا الثورية التي تمتع بها فيلم دكتورسترنجلوف بعض الثمن حيث رفضت معظم ستديوهات امريكا استقبال الفيلم في اراضيها ، فقرر كوبريك ان يحج من جديد لي بريطانيا حيث حرية الحركة السينمائية اكثر هناك فظل وفيا لهذا المكان حتى وفاته و اخرج ما تبقى من افلامه منها ..

في طرق المجد يصدر جنرال امراً للطائرات الحربية لقصف جنود الجبناء من بني جلده ِ من الجنود السدج ،، كوبريك يكررها هنا مختلفة ، جنود سذج حتى ان احدهم يرتدي في قمرة قيادة طائرة حربية تحمل قنبلة نووية قبعة رعاة البقر الامريكيين هنا ربط عجيب للسداجة و البلادة و الانتماء القطيعي للوطن بهذا الشخص المندفع و المتحمس على وقع موسيقى الثورة الامريكية في تشبيه ساخر جدا من ستانلي كوبريك لهذا بذاك ثورة حررت بلدا و جاءت بأمة متحدة بشمالها و جنوبها ، بينما هنا مجموعة من المتحمسيين السذج يقودون العالم الى حثف المبين ، الجنرالات يُصر كوبريك على هذا التصويف كالدمى الكبيرة بأدمغة صغيرة و بقوة فتك لا حدود لها فلا سياسيون يستطيعون التعامل مع حماقاتهم و لو تلاحظ ان احد في الفيلم بحكمة الرئيسي الامريكي بينما باقي الشخصيات عبارة عن كراكيز ساخرة و جادة في دات الوقت لانك ااحيانا تشعر بها تعبر عن واقع اللحظة و الحسم تشعر بحنقها و حماسها و رغبة المشتعلة التي تجعلها تكافح من اجل اقناعك بأن ما تقوم به هو الصحيح ..العنوان الغير التقليدي للفيلم ايضا احد مظاهر الجنون فيه العنوان عبارة عن شرح لمرادف معين من قاموس الدكتورسترنجلوف كيف تتعلم التوقف عن القلق و تعشق القنبلة مختصر اجمالي لفكرة الفيلم التي جاء ينادي بها توقف عن القلق و استعد لاستماع الى درس من دروس الدكتورسترنجلوف في فن اعادة الحياة بعد الفناء و طرق اعادة التوازن السكاني لارض القنبلة اصبحت الان امر واقعا و فناء البشر امر حثمي ، ايضا من المفارقات ان كوبريك يستخدم الدكتور سترنجلوف العالم الالماني النازي ذو الماضي الاسود مع الابادة و العنف في نظام الرايخ الخامس ، ولا يرى الامريكون مشكلة في ان يكون مستشار العلمي للرئيس الامريكي و هذه من الامور تاريخية الواقعة حين قامت امريكا و روسيا باستفادة من خبرة العلماء نازيين في تطوير جملة من الاسلحة الفتاكة و الجدير بالذكر ايضا ان شخصية سترنجلوف لا وجود لها في الراوية التي اقتبس منها كوبريك “الانذار الاحمر” فهي شخصية اختراعها بنفسه ليحدثنا قليل عن بعض من نفاق الانظمة الغربية او الشرقية في موضوع قلقها بشأن مصير العالم و حقوق الانسان بينما يرتكبون جريمة اكثر فضاعة من تلك التي ارتكبتها النازية ، لقد عمل هؤلاء على ابادة الارض فما بالك بأحتلال ارض او تصفية بعض ملايين من البشر كما فعلت النازية ، تبدو النازية رحيمة مقارنة بالفعل الامريكي الروسي في الفيلم بالرغم ان سترنجلوف يبالغ في حماسه بعض الشيء و هو يحاضر في كيفية اعادة العمران الارض بعض انطلاق اولى القنابل الفتاكة .. اثقل كوبريك الفيلم برصد العديد من التناقضات خذ مثلا ايضا انه حين تكون الحرب الباردة في اوجها و حيث تهاجم امريكا روسيا هناك فقط سيتواصل هؤلاء لحل الازمة الحاضرة حوار الرئيس الامريكي و الرئيس الروسي عبر الهاتف احدى هذه المفارقات ، حين نقرأ اثناء الهجوم على قاعدة العسكرية التي احكم وثاقها الجنرال الثائر عبارة نسعى للسلام على الارض و اصوات الرصاص و التحركات الجنود لا تثني الكاميرا عن رصد هذه اللوحة المعبرة والمرصعة بكل ما تحمل سياسة الامم الكبرى من تناقضات ، ايضا من جملة التناقضات التي يطرحها كوبريك في نقده لمشروع الانسان الذاتي حين يحاول من المشهد الاول حين تظهر طائرة تتزود بالوقود و هي في الواقع هنا رمزية ،و حقيقة انها حالة تزواج الالي بين طائرتين و لهذا الطرح علاقة لا تنفكر من جوهر الفيلم العامر بالايحاءات الجنسية فلو راجعنا اسماء الجنرالات و شخصيات الفيلم واحد واحد ستجده لها علاقة بمحتوى جنسي و حديث عن تلويث المياه في امريكا بالعقم الجنسي امر كان واردا في تاريخ حرب الباردة ، اهتمام الدكتورسنرجلوف بموضوع اعادة الاعمار البشر للارض بتزويج كل رجل 10 نساء و هي خطة حسب قوله لا تتطلب الا 90 سنة للتعود الحياة و الارض ، ايضا موضوع الايحاءات الجنسية في الفيلم لا تخفى حتى في حركات دكتورسترنجلوف و طريقة تحريكه لليديه ، ايضا صراخ الكاوبوي الامريكي حين كان يقود يرود الصاروخ لليقوده الى هدفه المباشر تحمل من ايحاءات الجنسية الشيء الكثير و كل هذه الامور تصب في موضوع مخاوف الانسان المذكر تجده قلقا جدا في موضوعين الجنس و الحرب مصير حياته و ارتباطها الوثيق بعضوه التناسلي و كل هذا خدم نقاء الجوهر من التسمم الذي تحدث عنه الجنرال الثائر مع نائبه و كل هذا يتناقض جملة و تفصيلا مع اطلاق سلاح نووي للتدمير العالم و تدمير الذات و هذا لا تناقض ابدا مع اطورحات كوبريك حول مخاوف الانسان التي تقوده دائما الى حثفه و كدائما تفشل الطاولة المستديرة الجَماعية للعقل البشري في ابتكار الحل خصوصا و ان المصائر دائما بدت رهينة للالة التي لا تملك الخيارات متعددة لانها مُسَيرة بنظام معين لا رجعة فيه ، النقيض ايضا ان كوبريك جعل من احدى اغاني الجمال و الرومنسية في حقبة الحرب العالمية الثانية مقبلات يتمم بها مشهد القنبلة النووية تنفجر لتنهي العالم ..

كلمات الاغنية

سنلتقى مجددا ..لا نعرف اين ، ولا نعرف متى

لكني على يقين اننا سنلتقى في يوم مشمس

واصل الابتسام كما تفعل دائما

و كأن الاغنية تقول لي واصل الابتسام ولا داعي للقلق و اعشق قنبلة الفناء الشامل ، اغنية و لقطات كان افضل نهاية للفيلم، و ليس النهاية صراع بأطباق الطعام ..

” ان اسخف فكرة تخطر ببال المرء هي استعداد قوتين نوويتين لابادة الجنس البشري و كافة انحاء الحياة بسبب خطأ غير مقصود تثيره النزاعات السياسية ، هو سبب قد تراه الاجيال القادمة تافهاً بنفس نظرتنا اليوم الى الصراعات اللاهوتية في القرون الوسطى ..” كوبريك

الدكتورسترنجلوف احد اروع كوميديات الهجاء السياسي في تاريخ السينما العالمية حسب اختيارت العديد من النقاد و مراكز ، و كعادة افلام كوبريك حمل الفيلم احد ابرز الاداءات السينمائية في التاريخ بيتر سيبيلز ثلاث مرات في اداء ثلاثي ساحر ساعده كثيرا المكياج المثقن و حجم الاعادات التي يقوم بها كوبريك للمشهد الواحد في حصول على ممثل قام باداء ثلاث شخصيات بشكل مثقن جدا ، ايضا في ما يتعلق بالاداء لا يمكن نسيان الاداء جورج سي سكوت الذي قام بأداء دور مجنون ولا يقل اهمية عن اداء بيتر و اضحى الوسط الفني لا يذكر سكوت الا بأداءه لهذا الدور المجنون ، تقريبا كل الادوار في الفيلم كان متميزة جدا زادت من قوة الفيلم ، الاضاءة و التصوير و الامور الثقنية لا مجال للحديث عنها فقد كان كوبريك مولعا بضبظ كل شاردة و واردة و مغادرته نحو بريطانيا كان لكونه يريد ان يتمتع بالسيطرة التامة على اعماله السينمائية ..

سباق التسلح النووي بين روسيا و امريكا كان قد سبقه سباق التسلق الفضاء و تسابق على الانجازات الفضائية في مجال الفتوحات العلمية و قدر اشار لهذا الموضوع الدكتورستنجلوف في معرض حديثه في الفيلم ، كوبريك كان يتحدث عن الحرب النووية وفي مخيلته الصعود الى القمر السباحة في الفضاء الخارجي الحر ، اختــــــــار كوبريك ان يدمر الارض و يعلن عن فناء الحـــــياة البشريــة ليتسنى له الصعود الى القمر في رحــــلة الفضـــاء 2001 .

أفاتار ابراهيم صعاطة

ابراهيم صعاطة

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading