Looper – 2012
هل حقاً (لو علمتُم الغيبَ لاخترتُم الحاضر)؟
يأتي فيلم الحَلَقيّ (Looper) قبل أن يكون فرصة تواصل المستقبل بالحاضر, على شكل فرصة أخرى لظهور “بروس ويليس” في خضّم الأفلام الكبيرة بعد أن ملّ متابعوه من سوية أفلامه في السنوات الأخيرة. “بروس” الذي يظهر أنه أحسن اختيار أدواره هذا العام بعد ظهوره الموفق في فيلم آخر كبير هو (مملكة ظهور القمر : Moonrise Kingdom) لـ(ويس أندرسون). يأتي مع “Looper” حاملاً الكثير من الخيال العلمي في جل فصوله ومفرداً هموماً إنسانية كبرى في نهايته وذلك ربما على الطريقة “النولانية”.. على كل حال فيلم كفيلم “رين جونسون” هذا قد يصعب فهمه من مشاهدة واحدة فالدخولات الكبيرة في معلومات افتراضية قد تربك المُشاهد بشكل ملحوظ, غير أنني لا أعتبر القصة شخصياً معقّدة فالتسلسل الحدثي كان موفقاً جداً لإبعاد أية ملابسات زمانية بين الحاضر والمستقبل, بالإضافة إلى قلة التفاصيل الشخصية ما جعل منه أقل عرضة للسقوط في أية أخطاء ملفتة, فلا يظهر فيه ثغرات في القصة أو الإخراج, ولعل هذه العوامل جعلت منه بالفعل أثيراً بذلك التقييم العالي الذي حصده في مواقع الإحصائيات السينمائية.
وبالحديث عن التقييم الكبير الذي يأخذه الفيلم في مواقع الإحصائيات فهو -وفقاً لها- واحد من أهم أفلام العام. ولعل عشاق الخيال هم على موعد جديد فيه مع التشويق الهادف بعد فيلم (شروق فارس الظلام) الذي عبر أيضاً هذا العام بقوة رغم تناقض الآراء حوله -كالعادة-. “Looper” ليس حكاية مستساغة جداً لمحبي الدراما فهو إنطباعي عن واقع افتراضي لا يحمل الكثير من التفاصيل الشخصية الملفتة للدراميين كما سبق وذكرت, ولا يبدو الشر في العمل هدفاً ولا وسيلة, فهو مجرد وظيفة لا أكثر, على هيئة وظيفة “قاتل يُقتل” ليتم “غلق حلقته” والتخلص من جثته بطريقة ولا أدهى, وأذكى من وصفها بالذكية!
أعلم أن جل قرائي الأحبة -وغالبهم ليسوا من مشاهدي السينما في السينما- ربما لم يتحصلوا على فرصة مشاهدة الفيلم الذي لم يخرج ربما من الصالات ولم تظهر له نسخ مشاهدة جيدة على الانترنت تبهج العين والقلب! ولكن كما عادتي فلا أرى في الأمر ضيراً من التحدث عنه على شكل إضاءات غير تفصيلية, تلقي الضوء عليه دون أن تفسد المتابعة. لكن نظراً إلى التطعيم الإنساني للرواية الخيالية في النهاية فإنه من العسير أن نظهر جمالية القصة دون التطرق إلى نهايتها, لذا فلا تحكموا قبل المشاهدة فلن أذكر النهاية.
تدور أحداث الفيلم في “كنساس” العام 2044 مع (جو) “جوزيف جوردن ليفيت” الذي نراه في بداية العمل يتمتم بمفردات فرنسية تعليمية بسيطة قبل أن يطلق النار على رجل موثق مغطّى الرأس. ثم يخبرنا “جو” نفسه -كراوٍ للأحداث- أن “السفر عبر الزمن” لم يتم إكتشافه بعد, ولكن سيتم اكتشافه بعد ثلاثين عاماً, وأنه سيكون مخالفاً للقانون لذا فمن سيستعمله هم فقط المنظمات الإجرامية التي ترسل من تريد قتله عبر الزمن خلفاً نحو الماضي لتختفي الجثة من زمانها الحقيقي في ماضٍ سحيق عمره ثلاثون عاماً على شكل جثة مجهولة الهوية في الزمن الحاضر مع أن صاحبها حيّ في هذا الزمن! أما من سيقوم بقتل الأشخاص العائدين من المستقبل نحو قدرهم في الماضي, فهم قتلة مأجورون يدعون بـ(الحلقيين : Loopers) ينتظرون هدفهم المقبل في مكان معين متفق عليه يظهر في زمن معين موثقاً مكمماً, قيطلقون النار عليه ويأخذون الفضة المحمّلة على ظهر الضحية كمكافأة لهم. وبهذه الصورة تختفي الجثة من المستقبل ولا يظهر أي وجود لأي عمل جرمي ضد صاحبها في ذلك الزمن القادم, أما في الحاضر فيتم التخلص ببساطة من جثة إضافية لا تعود في ذات الزمن إلى أي شخص ولا وجود لها تقنياً. الملفت في هذا العمل اللاإنساني -“النظيف” كما يدعوه “جو”- أن تلك المنظمة الإجرامية التي تستخدم الحلقيين تجعلهم يوقّعون على شرط محدد هو أن تتخلص المنظمة منهم كذلك لكي تأمن جانبهم من حيث عدم الإبلاغ عنها ولكون “السفر عبر الزمن” شيء غير قانوني! لذا فقد تقرر إرسال أحد عملائها من المستقبل ليُقتل في الحاضر فتتخلص منه بعد 30 عاماً كلياً ولا يظهر له أثر في ذلك الزمن في حين يستمر حتى ذلك الوقت في إسداء خدماته للمنظمة إلى حين اختفائه. وعليه فالمنظمة تعثر على قتلتها المأجورين بعد 30 عاماً فيما لو كانوا على قيد الحياة, وترسلهم خلفاً عبر الزمن إلى ذات القتلة في الزمن الذين يعيشون في الزمن الحاضر ليقوموا بقتل أنفسهم كأي عميل آخر وهذا ما يدعى بـ(إغلاق الحلقة). وعندها حسب نص الفيلم (تحصل على دفعة من الذهب, ويصافحونك, ثم يحررونك من عقدك لتستمتع لمدة الثلاثين عاماً المقبلة).
خلال العمل نكتشف أن هناك قدرات بشرية خارقة باتت تظهر بين الناس على شكل طفرات معينة فيهم تجعلهم قادرين بشكل محدود على تحريك الأشياء دون لمسها. ونكتشف أن “جو” مدمن على مادة أتروبينية مخدّرة يقطّرها في عينيه, وأنه يحلم على الدوام بأنه عند فسخ عقده سيسافر إلى فرنسا لقضاء الثلاثين عاماً الباقية من حياته وهذا سر إقباله على تعلم اللغة الفرنسية, ويبدو أنه على علاقة ما بفتاة ملاهي, وهو كذلك في صداقة قوية مع “سيث” وهو “حَلَقيّ” آخر يقوده سوء الطالع إلى إضاعة أحد الأهداف المرسلة له من المستقبل, ذلك الهدف الذي يكتشف “سيث” أنه ما هو إلا هو نفسه بعد 30 عاماً قد تم إرسال نفسه إليه ليقتل نفسه وبالتالي إغلاق حلقته. وبسبب ارتباكه من قتل ذاته الكبرى فهو يتسبب بهروبها, وهذه مخالفة كبرى حيث أن ذلك يعني وجود شخص غير معروف تقنياً على أرض الواقع وتهديد إنكشاف مسألة السفر عبر الزمن, فضلاً عن أن هذا الشخص ما هو إلا ذات كبرى لشخص يعيش حالياً, الأمر الذي يعني أنه قد يُسِرّ بتفاصيل مستقبلية لنفسه الصغرى التي تعيش الزمن الحاضر وهذا قد يغير في أحداث المستقبل..! وبناء على ذلك فإن لم يعثر العميل على ذاته الكبرى المستقبلية ويقتلها بعد فرارها وجب قتله هو الزمن الحاضر لتختفي ذاته من المستقبل ولا يعود لها وجود! حالة هروب الذات الأكبر تتكرر بشكل مؤسف مع “جو” الذي لم يتخيل نفسه مطلقاً أنه سيكون بهذه القوة بعد 30 عاماً, وتبدأ ملاحقة “جو الحالي” لـ”جو المستقبلي” لتحرك أحداث الفيلم.
يأتي (جو المستقبلي) “بروس ويليس” حاملاً حقداً لا يوصف حيال من أفسد حياته في العام 2074, ناوياً قتله بعد أن جرّده هذا الشخص الذي يغلق الحلقات والمسمى بـ”صانع المطر” من كل سعادة حياته في ذلك الزمن وبعد أن ساهم في قتل زوجته الغالية التي أخرجته من عالم الإدمان والتفاهات. وتبدأ لقاءات “جو المستقبل” مع “جو الحالي” تأخذ طابعاً غير ودّي بين حاضر حالم بمستقبل كبير ومستقبل حاقد على ماضٍ مزعج. ومع عدم قدرة “جو المستقبلي” على التحديد الدقيق لهوية “صانع المطر” لقتله مباشرة يبدأ بالتخلص من كل الأطفال المولودين في ذات اليوم في ذات المكان. في حين يسوق القدر “جو الحالي” إلى “سيد” الطفل الصحيح لـ”صانع المطر” والذي يعيش مع والدته (سارة) “إيميلي بلنت” طفولة مضطربة جداً بسبب امتلاكه كمية كبيرة من تلك القدرة البشرية الطافرة على تحريك الأشياء, إضافة إلى ذكائه اللافت وقدرته على ابتكار أشياء مبدعة من لا شيء, كل ذلك من جهة, ومعرفة الأم بأن ولدها هدف للحلقيين من جهة أخرى إذ يبدو أن محاولة قتله هذه ليست الأولى! أما “جو المستقبلي” فحين يقتل الأطفال الذي يشك في أن أحدهم هو “صانع المطر” يحاول النظر في آثار غياب الطفل من الوجود إن كانت ستحمي التعذيب الذي عاناه هو من وجوده, وبالتالي إن لم تختفي تلك الآثار كان يدرك أن الطفل لم يكن بالفعل ذلك الهدف المطلوب, وأن عليه الانتقال إلى الطفل التالي!
علاقة غريبة بدأت تربط “جو الحالي” بالطفل “سيد” وأمه, وعدو المستقبل “سيد” أو “صانع المطر” بدأ ينفذ إلى قلب “جو الحالي” كما بدأ “جو” يدخل تدريجياً في قلب “سيد”. إلا أن “جو المستقبلي” لن يرتاح قبل أن يقتل غريمه ليغير الماضي بنفسه ويعيد زوجته الحبيبة إلى الحياة إن قام هو بقتل مغلق الحلقات في هذا الزمان وألغى بالتالي وجوده وأخفاه من المستقبل. حقد “جو المستقبلي” وعنفوانه ينسيانه كلياً أن “جو الحالي” قادر على تغيير المستقبل لو اتخذ خيارات أخرى رغم تنبيهات “جو الحالي” له. وينصب تفكير “المستقبلي” فقط على إتجاه واحد هو إصلاح زمانه هو متجاهلاً الحاضر الذي كان قد يقدم له فرصة أخرى. وتستمر المعاناة إلى أن يختار “جو الحالي” قراره بنفسه ويوقف تقدم الأحداث الملتهبة المثيرة بصورة غريبة جميلة.. لن أتحدث عنها..!
برع “رين جونسون” في خلق أحداث كبيرة من تفاصيل صغيرة لكنها ليست بالهيّنة في رسم خطوطها, مقللاً من التفاصيل الشخصية لدعم الحكاية المحورية الخيالية غير الهينة أساساً للفهم لو تشعّبت أحداثها أكثر. وبالتالي فقد نجح في السيطرة على فيلمه بشكل حاذق واحترافي ليخرج مثيراً وملفتاً يخطف الأنفاس في بعض مراحله, ومن القوة أن تصنع فيلماً إن فقدت أي لحظة منه فقدتَ القدرة على فهمه. عالم “جونسون” كان إيحائياً مليئاً بالمواد التي تصنع الأحداث, ومن المميز أنه بدأ بالوقت الحالي لا المستقبل لكي لا يكون مضطراً إلى خلق عالم مشوش مختلف كلياً عن أفكارنا, فالزمن الذي بدأت الحكاية فيه لا يبدو غريباً عن الواقع الحالي. وقد أحسن “رين” اختيار الطاقم الذي ظهر منسجماً متآلفاً بمن فيهم ذلك الفتى الغاضب حتى درجة الإزعاج “بول دانو”.
على صعيد المونتاجات فقد كانت موفقة بين الحاضر والمستقبل رغم الحاجة إلى وجود راوي أو أرقام سنوات أحياناً لصعوبة المشاهد, ومن المونولوجات الذاتية المميزة التي كتبها “رين جونسون” على لسان “جو الحالي” كراوٍ للقصة, المناجاة الأخيرة:
(ثم رأيتُ الأمر.. ورأيتُ أماً قد تموت من أجل ولدها.. رجلاً قد يقتل من أجل زوجته.. وصبياً غاضباً وحيداً.. ينزف كحمام دماء.. رأيتُ ذلك.. والدرب كان دائرة.. تدور وتدور.. لذلك قمتُ بتغيير الأحداث..).
لم يحمل لي فيلم “Looper” مفاجأة من حيث أداء “بروس ويليس”, فلن أنكر أنه أدى الدور بأسلوب جميل, لكنه لا يرتقي في نظري إلى الممتاز. أما “جوزيف جوردن ليفيت” فظهر بطاقة مخيفة هذه المرة ليقنعتني أكثر بأن هذا الفتى البارد يشق خطاه بثقة إلى النجومية الحقيقية, ومن جديد يظهر أن البرود لا يعوق النجومية إن أُحسن توظيفه, فثمة شواهد عدة من بعض النجوم الباردين الذين يترأس قائمتهم في نظري “أدريان برودي”. “جوزيف” يقدم دوراً كبيراً مغيراً في شكله وأسلوب كلامه, وواضعاً أنفاً مستعاراً ليكون شخصاً آخر مختلفاً كلياً عن حقيقته وعمّا نعرفه. وواضح أن هذا يفرض تحدياً كبيراً حقيقياً لموهبته, تلك الموهبة التي إن كنتُ حتى الساعة لم أشاهدها في “Premium Rush” مع الرائع “مايكل شانون” فقد أصبحت أنتظر ثمارها قريباً -إن أحيانا الله تعالى- في الفيلم الكبير “Lincoln” للمخرج الكبير “ستيفن سبيلبرغ”.. أما “إيميلي بلنت” فقد كان الدور في أوله بارداً, وكنتُ أراه لا يستحق, إلا أن دورها بالذات تصاعد بشكل دراماتيكي دعمته هي بدفقات من الحب الأنثوي الأمومي لتجعل منه دوراً مميزاً. حتى الطفل “بول دانو” أدّى دوراً مميزاً فدعم الأحداث بشكل واضح. الموسيقى كانت قليلة نسبياً وتواجدها مربوط فقط بالحاجة ضمن الصورة وهذا بحد ذاته هو لعبة تشويق.
“Looper” فيلم بالنسبة لي يحمل الكثير من نقاط الجذب, يحاول أن يدفعنا للتفكير, للعواطف الإنسانية, والأهم لإعادة فهم خيارتنا للوصول إلى مستقبلنا.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



المبدع نزار عز الدين مراجعه ممتعه و مميزة جداً اعتقد بأنها تكملة للفلم جعلته يبدو اكثر جمالاً
بالفعل تواصل المستقبل بالحاضر يدفعنا للتفكير في اتخاذ القرارات المناسبة للوصول الى المستقبل , الحديث عن الفلم طويل لانه مليء بالتفاصيل الصغيرة وعند اكتشافها تشعر بالمتعه , واعتقد ان ريان جونسون وظف السفر عبر الزمن بطريقة عبقرية
وبالنسبة لأداء الممثلين قأعتقد بأن جوزيف جوردن قدم افضل اداء لحد الان في مسيرته وكأني اشاهد بروس الصغير فعلا .
تحياتي لك