On the Road – 2012

تخطفنا تلك الطرق التي تكون معبدة بشذرات تجاربنا ومجمل الذكريات ,., طرُق تقف على مفترقاتها تلك الظلال التي مرت علينا , أثرت فينا , تلاعبت بأفكارنا , والتي في نقطة ما حددت مصائرنا , في لحظة تكون مسيرة الحياة مربوطة بالقصاصات الصغيرة من حياتنا وما نخسره من ذواتنا ونلتقطه ممن يحيطون بنا , تلك الابتسامات , الدموع , القبلات , الاحتضانات , على طريق الحياة نتقاسم الذكريات , نحاول بشتى السبل أن نجد ما نسميه الحلم وإشباع الرغبات بشتى الملذات , نتوقف عند المفترقات نبحث عما سلب منا وما اكتسبناه من صراعاتنا مع الحياة , في نهاية المطاف نستسلم لذلك الحنين للعودة لنقطة البداية أو الضياع في غوغائية النفس وفقدان كافة المسارات ..

المخرج البرازيلي والتر ساليس صاحب الرائعتين (سائق الدراجة البخارية , المحطة الرئيسية ) يخوض تجربة جديدة وبقالب يجعلني أستذكر ماقدمه في فلمه سائق الدراجة البخارية وتلك الرحلة التي قام بها شي جيفارا في شبابه والتي غيرت معالم حياته وأصبح من خلالها أحد رموز الثورة في العالم , والتر في هذه المرة راهن على تقديم رحلة لكاتب شاب يشعر بالضياع والفراغ الكبير بعد فقدانه لأقرب الناس اليه.. العمل كان يسير بعدة منحينات منها مدى التأثير الذي طال شخصية سال (سام ريلي) بمن يحيطونه وكأنه في لحظة من اللحظات كان يرى عالمه من خلال مجمل الشخصيات أو ترتسم تلك المحطات في دفتر مذكراته ليسلبهم جزء من حياتهم.. ساليس عبر عن الحياة والزمن بمختلف الرقصات وشتى أنواع الأغنيات التي ظهرت في الأربعينات , وجعل من عمله “من على الطريق” ذا طابع يعبر عن الاختيارات البشرية وفقدان الاتزان ومحاولة الوثب عن روتين الحياة والانقلاب على كافة المخططات، ولكن في نهاية المطاف تبقى المغامرة حبيسة الزمن لحين انتهائها، ولا يتبقى منها سوى شذرات من الذكريات ومجموعة من العبر والخبرات.. ولعلي وجدت أن اجمل ما في عمل ساليس هي تلك اللحظات التي يطلق فيها عبارة (وداعاً)، فكانت تحمل باقة حسية من العواطف الجياشة,, تلك المشاهد البسيطة التي تلامس فيها أشعة الشمس وجوه البشر وتلك الابتسامة الحزينة الدلة على الرحيل أو ضياع الأحلام ودفنها في ظلمات الذات …

أما من منطلق آخر فما يعيب العمل هو التكرار الزائد لذات الأفكار ومحاولته في مرات عديدة أن يرسي أيقونة الضياع الإنساني في شهوة الرغبات وأقصد هنا ملذات الجنس والمخدرات واللهو بشتى اشكاله وعدم ترك المشاهد ليتلمس أبعاد تلك الشخصيات العديدة التي ظهرت في العمل، حتى إنه لم يدعها تُظهر للمشاهد مدى تأثيرها بشخصية الكاتب سال مع طول الفيلم الذي يتجاوز 139 دقيقة والمبالغة في التعقيب على المشاهد الإباحية بشكل لا يفيد النص المقدم في العديد من اللحظات ,, أما عن الشخصيات الأخرى في العمل وجدت شخصية مارليو (كريستين ستيورات) الأفضل والأكثر أهمية من منطلق أنك ستلحظ في تلك الشخصية ضياعاً حقيقياً للبشر للبحث عن الاتصال الطبيعي بالآخرين من خلال المشاعر والاحاسيس وبعيداً عن لغة الرغبات , وبالتأكيد فإن الشخصية الرئيسية الأخرى في العمل دين (غريت هودلياند) مثلت الجزء العابث غير المسؤول من البشر الذي يبحث عن إشباع شهواته وغرائزه وصفة الامتلاك والتي تظهر بشكل يُعبر عن الهروب من الواقع وفقدان السيطرة على اتجاه الأمان في الحياة ..

“من على الطريق” عمل أجده قُدم بشكل جيد جدا،ً وحمل جزئيات جميلة من الأفكار ولكن كما اعقبت فإن الامتداد في العمل طويلاً والمبالغة في إغداق العمل بصور الضياع والشهوات من خلال العديد من المشاهد، ورسم ذات الأيقونات والسطحية التي عاثت في بعض الشخصيات لم تجعل العمل يقدم بالشكل اللازم المثالي ..

4/5

أفاتار عبدالرحمن الخوالدة

عبدالرحمن الخوالدة

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading