Singin’ in the Rain – 1952

“الكرامة .. دائماً الكرامة… “

لن أنكر أنني لم أختر فيلم “الفنان” عن العام الفائت على أنه أفضل فيلم في قراءاتي النقدية رغم كل الجوائز التي حصدها والتي أدت إلى شهرة طاقمه من فيلم واحد! وأظن أن التحدي أمام هذا الطاقم بات أكثر صعوبة بعد كل تلك الجوائز من فيلمهم. لستُ أدّعي أن ما حصدوه كان غير مستحق؛ فلا شك أن العودة للأبيض والأسود والصمت كانت تحدياً أكبر من كبير. ولكن كنت أشعر على الدوام أن ذلك الفيلم في كوميديته وحتى رقصاته ما هو إلا امتداد غريب مفتعل للفيلم الذي أتحدث عنه هذه المرة.. أعني كلاسيكية “الغناء في المطر” الذي يرتقي في نظري إلى أفضل أعمال السينما الموسيقية بل ربما يكون الأفضل. ولعل من شاهدوا فيلم “الغناء في المطر” قد شعروا بالكوميديا الغنائية الإبداعية التي أفسدت عليهم الكثير من متعة فيلم “الفنان” من خلال مقاربات بسيطة أو غير بسيطة. لذا دعوني ألقي بعض الضوء على هذه الرائعة غير المنسية وأدعو من لم يجد الفرصة لمشاهدتها أن يبحث عن هاتيك الفرصة.

من المؤسف أن تخسر الشاشة الكبيرة هذا النمط الرائع من المادة السينمائية فائقة الإمتاع (السينما الاستعراضية الموسيقية), فتلك السينمات التي لطالما ارتبطت بقصص حب عاصفة تتخللها كوميديا ذات لون محبب, وبعد الفترة الذهبية التي عايشتها بين ثلاثينات وخمسينات القرن الفائت, تلاشت تدريجياً بصورة غريبة وأصبحت عملة شديدة الندرة وأشبه بالمنقرضة إلا في مجموعات عشاقها. وربما كان هذا الفيلم بالذات (مع أنه لم يترشح للأوسكار عن أفضل فيلم واكتفى حكّام الأوسكار بترشيحه إلى جائزتين أخريتين لم يحصل على أي منهما) أحد أجمل ما حملته لنا سينما الاستعراض والصخب حسب وجهة نظري الخاصة ووجهة نظر عدد كبير من المهتمين والنقاد ممن أعطوه علامة كاملة في كثير من الأحيان. ولعل من الضروري أن نشير هنا إلى أن شهرة السينما الاستعراضية التي كانت على أشدّها في زمن عرض الفيلم, سبّبت ذكر اسم فيلم (لحن برودواي) 1929 في الكثير من المرات داخل مشاهده. كيف لا و(لحن برودواي) أول فيلم من هذا النمط يحصل على الأوسكار, وهو منبع إلهام عدة أفلام أخرى من ذات النمط ظهرت بعد عرضه بحوالي عشرين عاماً. حتى أن الأغنية التي حمل الفيلم اسمها (أغني تحت المطر) والتي غناها “جين كيلي” في الشارع حاملاً مظلته تحت المطر تارةً, وتارة أخرى مستمتعاً باسماً لهطول المطر عليه, هي من أشهر المشاهد التمثيلية الراقصة في السينما على الإطلاق, حيث كانت حالة غير اعتيادية من الفرح والابتهاج أشبه بالعودة إلى المراهقة أو الحب الطفولي لرجل عثر أخيراً على فتاة أحلامه. ومن الجدير بالذكر هنا كذلك أن هذا الفيلم الذي أخرجه “ستانلي دونن” و”جين كيلي” قد خالف الكثير من الأفلام الموسيقية الأولية من ناحية وجود قصة كاملة استُبدل فيها الحوار بالأغنيات والرقصات, بشكل خاص في لحظات العواطف أو اتخاذ القرار لدعمها فنياً.

بالمرور على أحداث الفيلم, فإننا سنراه سيرة ذاتية مصغرة لتاريخ الفن السابع مع بزوغ فجر الصوت في السينما, فعقدة الفيلم الأساسية هي الانتقال من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة. ولا شك أن تكلّم الصورة لم يكن أمراً سهلاً أمام شركات الانتاج المتواضعة التي يتناولها هذا العمل في ظل عدم توفر المعدات, حتى أن بعض هذه الشركات عانى فعلاً من الإفلاس نظراً لإنجذاب المُشاهد إلى ترافق الصوت مع الصورة وإهمال أعمالهم الخرساء. وكان لا بد من إيجاد بدائل تردم الهوة السحيقة التي نشأت بين الصانع والمتلقي والتي سبّبت كما يرد في الفيلم سخرية المشاهدين من الأفلام المعروضة بسبب الأدوات المتواضعة التي تم استخدامها فيها, والتي حولت الفيلم الناطق إلى ما يشبه كارثة هزلية. والخوف الذي يعانيه (دون) ذلك النجم السينمائي المتعجرف -الذي جسد دوره ببراعة “جين كيلي”- من ظهور الصوت في أفلامه كان مرتبطاً بشكل خاص بشريكته نجمة السينما الصامتة (لينا) والتي لطالما انتشرت شائعات غير صحيحة عن علاقة غرامية تجمع بينهما, وهي رغم جمالها صاحبة صوت حاد رديء وغير مناسب مطلقاً للسينما الناطقة – أبدعت في لأأداء الدور “جين هاجن” وترشحت عنه إلى الأوسكار-. وبعد تفكير معمّق واستعانة بالأصدقاء, وجد (دون) أن الحل هو في تحويل الفيلم إلى النمط الغنائي, وإعادة تسجيل الصوت بشكل مستقل ثم دمجه كمكساج خارجي غنائي, وقد تم إقناع المنتج بالفكرة, لا سيما بعد أن تم طرح الاستعانة بـ(كاثي) “ديبي رينولدز” الممثلة المسرحية ذات الصوت الرائع والتي تم استخدامها لتعمل على تمثيل الأداء الصوتي لـ(لينا) في حين ستظهر صورة الأخيرة داخل الفيلم. غير أن الرياح لم تجرِ كما يشتهي (دون) وحبيبته القابعة في الظل (كاثي), حيث تكشفت نوايا خبيثة لدى (لينا) لفرض نوع من الأمر الواقع على المنتج والممثلة المغمورة. ولكن كما في العبارة أول موضوعي (إلا الكرامة).. ولن أتحدث هنا عن تفاصيل لكيلا أحرق الأحداث.

حالة المرح اللااعتيادية في الفيلم جعلته أقرب إلى دفقة من النشوة العارمة, والشغب اللذيذ, والنشاط العالي, وتراقص رشيق للألون, كأنه قوس قزح يتمايل فوق مدرج موسيقي. فما بين التعارف الغريب بين (دون) و(كاثي), والحادث الذي أدى إلى خصومة (لينا) معها, ثم المصاعب التقنية الواقعية في تحويل الفيلم إلى ناطق باستخدام أدوات بدائية, مجموعة كبيرة من المواقف المثيرة تتغلغل في أعماقنا كمشاهدين وتدفعنا إلى الضحك. أما استخدام الألوان النابضة بالحياة ولا سيما في اللوحات الراقصة فقد كان بالفعل أيقاعات بصرية متناسبة مع وضعية ظهور الصوت مع الصورة كبهجة أو ميزة إضافية. من جهة ثالثة فطاقم العمل ولا سيما الثلاثي الرائع “جين كيلي” و”ديبي رينولدز” و”دونالد أوكونور” كان مبدعاً بحق, مظهراً براعة كبيرة في اللوحات الراقصة الأخاذّة التي رغم كونها لم تعتمد على فرقة رقص كبيرة فقد حوّلت العقدة الفيلمية إلى تسلية عذبة مثيرة, وفي الأغنيات الرنانة المبهجة التي كست الأحداث عموماً بالتفاؤل.. اما نواحي المونتاج مجملاً فأعتقد أنه من العسير علينا حالياً أن نتدخل في محاولات رؤيتها النقدية فهو للزمن الراهن بسيط جداً جداً, في حين أنه ربما يكون ذا شأنٍ في حينه.

وعلى ذكر التفاؤل.. فيبدو أن صانعي الفيلم في ذلك الوقت لم يكن لديهم على الإطلاق أي تفاؤل في أن فيلمهم سيتحول مع الزمن إلى أحد أجمل الكلاسيكيات الموسيقية وأكثرها قبولاً لدى النقاد والمشاهدين على حد سواء. فكل ما لدينا من معطيات يشير إلى أن الفيلم لم يأخذ حقه من المديح ولا حتى من المبيعات إلا بعد مضي سنوات عديدة, لا سيما أن المنتجين عجّلوا في هذا الفيلم محاولين كسب نجاح مكرر من فيلم سابق موسيقي أيضاً أنتجوه في العام الذي قبله حصل حينها على أوسكارات ست, وحمل عنوان (أمريكي في باريس) وهو من بطولة ذات الممثل البهلواني الراقص “كيلي” أيضاً. فضلاً عن ذهاب بعض النقاد في لك الحين إلى اعتبار العمل نوعاً من السخرية والتهكم على الصناعة السينمائية المتخبطة عند الانتقال إلى النطق.

“الغناء تحت المطر” هو دعوة ناجحة إلى التفاؤل وعدم اليأس, والتزام الحكمة التي توصل إلى الهدف دونما تنازل عن الحق. وهو لوحات متلاحقة من الضحك والمرح ونسيان الهموم. وسكيتشات راقصة ممتعة لهواة هذا النمط المفقود, تحمل طابعاً كوميدياً ظريفاً في معالجة المشكلات وحتى في خلقها. عمل حتماً لن يمر مرور الكرام عند من شاهده, وسيبقى عالقاً في الأذهان وفي قوائم أفضل الكلاسيكيات.

يوتيوب أغنية (أغني في المطر)

IMDb | RT

أفاتار نزار عز الدين

نزار عز الدين

لا تعليقات بعد على “Singin’ in the Rain – 1952

  1. “كأنه قوس قزح يتمايل فوق مدرج موسيقي.”

    ما هذا يا نزار !! قرأت المراجعة مرتين متتاليتين .. وأصابتني بالقشعريرة من روعتها ..

    استرجعت قيمة الفيلم من قيمة مراجعتك ..

    الله يحفظك ويزيدك علم وثقافة وإبداع ..

    بسم الله ما شاء الله ..

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading