روبيرت آلتمان
المصدر – روبيرت بيرنارد آلتمان (ولد في 20 فبراير 1925 وتوفي في 20 نوفمبر 2006) كان مخرجاً وكاتباً سينمائياً أمريكياً عُرف بصناعته لمجموعة أفلام تمتاز بدقتها الواقعية، لكن بمنظور أسلوبي خاص به. في العام 2006، كرمت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأمريكية مجمل أعماله بجائزة أوسكار تقديرية.
وقد اختيرت ثلاثة من أفلامه وهي MASH وNashville وMcCabe and Mrs. Miller ليتم حفظها في سجل الأفلام الوطني الأمريكي.
بداية حياته ومسيرته
وُلد آلتمان في كانسس سيتي، مازوري، وهو إبن هيلين ماثيوس وأصلها من نبراسكا، ووالده بيرنارد كليمنت آلتمان كان رجل مبيعات ثري ومغامر هاوٍ ينحدر من عائلة أرستقراطية. وكانت عائلة آلتمان من أصول ألمانية وإنجليزية وأيرلندية؛ وجده من طرف والده، فرانك آلتمان الأول، غير اسم العائلة من “Altmann” إلى “Altman”. ومع أنه لم يمارس الشعائر الكاثوليكية في كبره، إلا أن المخرج عرف تربية كاثوليكية قوية. وحصل على تعليم الثانوية في مدرسة روكهيرت، وهي مدرسة مسيحية في كانسس سيتي، قبل التحاقه بالجيش بعمر 18 عاماً؛ وخلال الحرب العالمية الثانية، حلق آلتمان فوق 50 مهمة تفجيرية في بورنيو وجزر الهند الشرقية الهولندية. وبعد إعفاءه من الخدمة في العام 1946، انتقل آلتمان إلى كاليفورنيا وعمل في القسم الإعلامي لدى شركة اخترعت آلة لرسم الوشم صممت للتمييز بين الكلاب.
لم يدخل آلتمان مجال صناعة الأفلام إلا كفكرة عابرة جاءته، ببيعه سيناريو فيلم Bodyguard الذي عُرض في العام 1948 لصالح شركة RKO، وكتبه بمساعدة جورج دابليو. جورج. نجاح آلتمان المباشر هذا شجعه على انتقال إلى نيويورك حيث حاول مواصلة مسيرته الكتابية؛ وفعلاً حظي على بعض الحظ، غير أنه عاد إلى كانسس سيتي في العام 1949 بعد قبوله العمل كمخرج وكاتب لأفلام إعلانية لشركة كالفن. وحظي هناك على تجاربه العملية الأولى مع التقنيات السينمائية والعمل مع الممثلين.
بعد إخراجه لحوالي 65 فيلماً إعلانياً ووثائقياً، اختار رجل أعمال محلي آلتمان في عام 1956 ليكتب ويخرج فيلماً طويلاً بكانسس سيتي حول جنوح الأحداث. اشترت شركة يونايتد آرتيست الفيلم بعنوان “الجانحون” الذي كلف تصويره 60 ألف دولار بمبلغ 150 ألف دولار، وعُرض في عام 1957. ورغم بساطة إنتاجه، فقد احتوى فيلم إساءة معاملة القاصرين هذا على أسس أعمال آلتمان اللاحقة باستخدامها للحوار الواقعي المعتاد. سمح هذا النجاح لآلتمان أن ينتقل من كانسس سيتي إلى كاليفورنيا للمرة الأخيرة، وبعدها قام بالمساعدة في إخراج “قصة جيمس دين” في العام 1957، وهو عمل وثائقي تم تولفيه سريعاً للتركيز على موت الممثل الواقع حديثاً واستهدف معجبي الممثل في أعقاب هذه الحادثة المأساوية.
الأعمال التلفزيونية
أبدى ألفرد هيتشكوك إعجابه بأول عملين لآلتمان، وعينه كمخرج لسلسلته الأدبية المختارة بعنوان “ألفرد هيتشكوك يقدم” لصالح شبكة سي بي إس. وبعد حلقتين فقط، استقال آلتمان بسبب خلافاته مع منتج المسلسل، لكن الحلقتين مكناه من بناء مسيرة ناجحة في المسلسلات التلفزيونية من بينها Bonanza, Combat! وThe Kraft Television Theater. كما ساهم آلتمان في إخراج المسلسل الدرامي Pulse of the City ما بين عامي 1953 و1954 لصالح شبكة دومونت.
سمحت أعمال آلتمان التقريرية الأولى في كانسس سيتي والمسلسلات التلفزيونية في كاليفورنيا أن يخوض تجربة التقنيات السردية بالإضافة لتطويره لأسلوبه الخاص بالحوار المتشابك، وتعلمه العمل بسرعة وجودة ضمن ميزانية محدودة. ولم تتوقف عروض الشركات للاستفادة من موهبته خلال فترته التلفزيونية، مع أنه أُقيل مراراً لرفضه الأوامر الصادرة عن شبكات التلفزيونية وإصراره تدعيم مواده بمضامين سياسية وجمل معادية للحرب. وفي العام 1964، تم الترويج لإحدى حلقات مسلسل The Kraft of Television Theatre لعرض تجاري تحت اسم Nightmare in Chicago. ووافق بعدها بسنتين على إخراج فيلم السفر عبر الزمن Countdown بتكلفة قليلة، لكنه طرد قبل نهاية إنتاجه بأيام لرفضه تقصير مدة العمل. ولم يخرج آلتمان أي فيلم آخر حتى عام 1969 وكان بعنوان That Cold Day in the Park، الذي تعرض لفشل تجاري ونقدي فادح.
نجاحه المعروف
عُرض على آلتمان في العام 1969 سيناريو فيلم MASH، وهو مقتبس عن رواية غير معروفة تجري أحداثها في فترة الحرب الكورية وتهجو حياة القوات المسلحة، وكانت الرواية قد مرت على أكثر من عشر مخرجين قبله. وافق آلتمان على إخراج العمل، ومع أن مراحل إنتاجه شهدت تخبطاً شديداً لدرجة أن الممثلين إليوت غولد ودونالد ساذرلند حاولا العمل على تنحي المخرج عن المشروع بسبب أساليبه السينمائية غير المعهودة، فقد تحول الفيلم عملاً كلاسيكياً حال صدوره في العام 1970، ونال السعفة الذهبية في مهرجان كان وحصل على ستة ترشيحات لجائزة الأوسكار، وكان أنجح فيلم يخرجه آلتمان على صعيد الإيرادات. وبعد أن وضحت موهبته للجميع، تمسكت مسيرة آلتمان بسلم النجاح وأتبعه بعدة أعمال مهمة مثل McCabe & Mrs. Miller العام 1971 وThe Long Goodbye بالعام 1973 وThieves Like Us في 1974 وNashville في 1975، مما جعل “أسلوب آلتمان” التجريبي الفريد واضحاً للجميع.
فضل آلتمان المخرج اختيار القصص التي تعرض العلاقات المتبادلة بين الشخصيات؛ فصرح أنه مهتم بدوافع الشخصيات أكثر من الحبكات صعبة الحل. فاعتاد أن يرسم حبكة رئيسة للفيلم، مشيراً لسيناريو أنه “مخطط” للأحداث، ووفر لممثليه حرية ارتجال الحوار. وهو أحد أسباب اشتهار آلتمان كأحد مخرجي الممثلين، مما ساعده على العمل مع مجموعة كبيرة من الممثلين المشهورين.
وقد سمح للممثلين كثيراً أن يخاطبوا بعضهم بطريقة يصعب على المشاهد فهم حديثهم تماماً، ونوه في تعليقه على فيلم MacCabe & Mrs. Miller أنه يجعل الحوار يتشابك ويترك للجمهور بعض الأمور ضمن الحبكة كي يخمنها، لأنه يريد من المشاهدين إبداء التركيز. وكان يستعمل سماعة رأس ليضمن تنفيذ كل الأمور المهمة دون جذب الاهتمام إليها. وكان يحاول الحصول على تنصيف R لأفلامه ليُبعد الأطفال من جمهوره، حيث لم يكن يرى أنهم يتمتعون بالصبر الذي تتطلبه أفلامه، مما كان يسفر عنه خلافاً بينه وبين الاستوديوهات السينمائية التي تريد وجود الأطفال بين الجمهور لزيادة نسبة الأرباح.
عرج آلتمان على صنع أفلامٍ لم يكن أي مخرج أو أستوديو آخر يريد صنعها. وكان متردداً بصنع فيلم MASH الكوميدي حول الحرب الكورية في العام 1970 بسبب الضغط الذي رافق تصويره، ومع هذا حظي العمل على نجاح نقدي هائل. وبعدها كان الفيلم مصدر إلهام لإنتاج مسلسل تلفزيوني طويل حمل نفس العنوان. وفي العام 1975، قدم المخرج فيلم Nashville الذي احتوى على موضوع سياسي قوي ضد عالم الأغاني الريفية. وقام بطلا الفيلم بكتابة أغانيهما الخاصة بالعمل؛ ونال كيث كارادين جائزة أوسكار عن أغنية “I’m Easy.”
لم يستسغ الجمهور الطريقة التي كان يصنع بها آلتمان أفلامه في بادئ الأمر. وفي العام 1970، بعد إصدار فيلم MASH، حاول توسعة نطاق حريته الفنية بتأسيسه شركة أفلام لايونز غيت (ليس لها علاقة بشركة لايونزغيت الترفيهية القائمة حالياً في كندا وأمريكا). والأفلام التي قدمها مع شركة هي Brewster McCloud وA Wedding و3 Women وQuintet.
المرحلة الأخيرة من مسيرته وعودته الفنية
أخرج آلتمان في العام 1980 فيلم بوباي الموسيقي والمستوحى عن شخصية كرتونية تحمل نفس الاسم، ولعب بطولته الممثل روبين ويليامز في أول أدواره السينمائية. ومع أن بعض النقاد وجدوا أنه عمل فاشل، إلا أنه جمع إيرادات جيدة، لا بل كان ثاني أنجح فيلم يقدمه آلتمان حتى تلك اللحظة (قبل أن يحل مكانه فيلم Gosford Park). وقدم آلتمان مجموعة من الأفلام خلال الثمانينيات، بعضها لاقى استحساناً مثل Secret Honor وبعضها فشل نقدياً مثل O.C. & Stiggs. كما لقي مدحاً لا بأس به من سلسلته “الوثائقية الساخرة” حول الحملة الانتخابية الرئاسية بعنوان Tanner ‘88، التي نال عنها جائزة إيمي وأعاد النقاد إلى صفه، لكنه لم يكسب اهتمام الجمهور بعد.
في العام 1980، وإثر قلة اهتمام هوليوود بتمويل وتوزيع الأفلام التي أراد تقديمها، قام آلتمان ببيع أستوديو لايونز غيت ومرافقها الإنتاجية إلى المنتج جوناثان تابلين.
انتعشت مسيرة آلتمان حين أخرج فيلم The Player عام 1992، وهو عمل ساخر عن هوليوود، ترشح لثلاث جوائز أوسكار منها أفضل مخرج. لم يفز آلتمان بالجائزة، غير أنه نال جائزة أفضل مخرج من مهرجان كان ومن البافتا ورابطة نقاد نيويورك، وذكّر العمل هوليوود التي تناسته لعقد من زمان أن آلتمان ما يزال مبدعاً.
وبعد نجاح فيلم The Player، أخرج آلتمان فيلم Short Cuts في العام 1993، وهو اقتباس طموح لعدة قصص قصيرة كتبها رايموند كيرفر، تجسد حياة مجموعة من مواطني لوس أنجلوس على مدار عدة أيام. طاقم الفيلم الكبير وتداخل أكثر من حبكة مختلفة ببعضها أعاده لذروة مسيرته في السبعينيات ونال عنه آلتمان جائزة الأسد الذهبي للعام 1993 في مهرجان بندقية السينمائي وترشح عنه لجائزة أوسكار أفضل مخرج أخرى. في العام 1996، أخرج آلتمان فيلم Kansas City الذي جمع فيه بين حبه لموسيقى الجاز في الثلاثينيات مع قصة اختطاف معقدة. وثم انتخب كأحد أعضاء الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم في العام 1999.
في العام 2001، حجز فيلم Gosford Park مكاناً في قوائم الكثير من الناقد كأحد أفضل عشر أفلام لتلك السنة،. كما فاز بجائزة أوسكار أفضل سيناريو أصلي وكان من كتابة جوليان فيلوز، بالإضافة لستة ترشيحات أخرى منها أفضل مخرج لآلتمان وأفضل فيلم.
إن عمل آلتمان مع استوديوهات مستقلة مثل Fine Line المغلقة الآن وآرتيسان (التي تحولت إلى Lionsgate) وUSA Films (أصبحت Focus Features حالياً) سنح لآلتمان فرصة صناعة أنواع الأفلام التي لطالما أراد تقديهما دون تدخل خارجي من الأستوديو. حيث قام بإنتاج نسخة سينمائية عن مسلسل غاريسون كايلور الإذاعي بعنوان A Prairie Home Companion في يونيو 2006. وكان آلتمان ما يزال يعد لتقديم مشاريع جديدة حتى قبل موته، ومنها فيلم مستوحى عن الفيلم الوثائقي Hands on a Hard Body: The Documentary المعروض في العام 1997.
بعد ترشحه لخمس جوائز أوسكار عن أفضل مخرج دون أي فوز، منحت الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم المخرج آلتمان جائزتها التقديرية عن مجمل أعماله في العام 2006. وكشف المخرج في الكلمة التي ألقاها حين تسلم الجائزة أنه كان قد خضع لعملية زراعة في القلب قبل حوالي 10 أو 11 سنة. وسخر آلتمان بالقول أن الأكاديمية ربما استبقت الأحداث بتكريم مجمل أعماله لأنه شعر بأن أمامه أربعة عقود زمنية أخرى ليعيشها.
حياته الشخصية
حسب ما ذكره المؤلف بيتر بيسكايند في كتاب Easy Riders, Raging Bulls فقد عاش آلتمان في الستينيات مع زوجته الثانية لتسع سنوات في مانديفيل كانيون في برينتوود، كالفورنيا. ثم انتقل إلى ماليبو ولكنه باع ذلك المنزل إلى شركة ليونز غيت الإنتاجية في العام 1981. حيث صرح لصحيفة نيويورك تايمز: “كنت مضطراً، فلم يكن أحد يجيب الهاتف.” وذلك بعد فشل فيلم Popeye. انتقل بعدها مع عائلته ومقر عمله إلى نيويورك، قبل أن يعود أخيراً إلى ماليبو وهناك عاش حتى توفي.
وصرح آلتمان في نوفمبر من العام 2000 أنه سينتقل إلى باريس في حال انتخاب جورج دبلو. بوش، لكنه مازح قائلاً أنه كان يعني مدينة باريس في تكساس حين انتخب بوش للمرة الثانية. وذكر أن “الدولة ستكون أفضل حالاً لو كان بوش خارجها.” وكان آلتمان مدخن ماريجوانا علني، بل أنه عمل كأحد أعضاء المجلس الاستشاري في المنظمة الوطنية لإصلاح قوانين الماريجوانا. كما أنه كان أحد المشاهير (إلى جانب نعوم تشومسكي وسوزان سراندون) الذين وقعوا عرضة “ليس باسمي” المعارضة لغزو العراق في عام 2003.
وفاته
توفي آلتمان في 20 نوفمبر العام 2006 في مركز سيدارز-سيناي الطبي في لوس أنجلوس. وذكرت شركته الإنتاجية في نيويورك، Sandcastle 5 Productions، أنه توفي إثر مضاعفات من مرض اللوكيميا. وقد ترك آلتمان الحياة لزوجته كاثرين ريد آلتمان وستة أطفال: كريستين ويستفال ومايكل وستيفين آلتمان (عمل معه كمصمم للديكور في الكثير من أفلامه) وكوني كوريير وروبيرت ريد آلتمان وماثيو آلتمان، بالإضافة لـ12 حفيداً و5 أبناء لأحفاده.
وقد أهدى المخرج بول ثوماس أندرسون فيلمه There Will Be Blood للعام 2007 إلى آلتمان، حيث عمل معه كمخرج بديل في فيلم A Prairie Home Companion للعام 2006 لأسباب تأمينية، وفي حال عدم قدرة آلتمان – المريض والبالغ من العمر 80 سنة آنذاك – من إنهاء تصويره.
وقامت جامعة ميتشيغان في عام 2009 بطرح مزايدة ربحية لأرشفة 900 صندوقاً من أوراقه الخاصة وسيناريوهاته وسجلاته القانونية والتجارية والمالية وصوره وسنداته وأمور أخرى متعلقة به؛ وبلغ مجموعها ككل إلى أكثر من 1000 قدم من المؤلفات. وكان آلتمان قد أخرج فيلم الدراما الوثائقية Secret Honor بالإضافة لإخراجه عدة حفلات أوبرا في جامعة ميتشغان.



