فريتز لانغ
مخرج ‘الظلام’ الذي ألهم هيتشكوك وأورسين ويلز
المصدر – فريدريخ كريستيان أنتون “فريتز” لانغ (ولد في 5 ديسمبر 1890 وتوفي في 2 أغسطس 1976) كان مخرجاً وكاتباً نمساوياً أمريكياً، ومنتجاً وممثلاً في بعض المناسبات. وهو أحد أشهر الفنانين القادمين من المدرسة الألمانية التعبيرية، أطلقت عليه الجمعية البريطانية للأفلام لقب “أستاذ الظلام”. وأشهر أفلامه هما Metropolis الرائد في مجاله (أكثر الأفلام الصامتة كلفة عند صدوره آنذاك) وفيلم M، الذين صنعهما قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة، وهو عمله الشهير الممهد لفئة الفيلم الأسود.
بداية حياته
ولد لانغ في فيينا كوليد ثانِ لأنتوغ لانغ (1860-1940) المهندس والمدير لشركة معمارية ولزوجته باولين “بولا” لانغ ني شليزينغر (1864-1920). وحصل فريتز لانغ على مراسم التعميد في 28 ديسمبر من العام 1890 في كنيسة شاتنكيرتش بفيينا.
والدا لانغ كانا من أصول مورافية ويعتنقان الكاثلوكية الرومانية، فوالدته ولدت على الديانة اليهودية وتحولت إلى المذهب الكاثوليكي حينما كان فريتز بعمر العاشرة. وأخذت هذا التحول الديني بكل جدية وصممت على تربية ابنها على الكاثوليكية. ولانغ لم يأبه بإرثه اليهودي وعرف نفسه بالكاثوليكية. ورغم أنه لم يكن بالواقع رجلاً كاثوليكياً مخلصاً، إلا أنه كثيراً ما “استخدم صوراً ومواضيعاً كاثوليكية ضمن أفلامه.”
انتسب لانغ بعد إنهاءه المرحلة المدرسية إلى الجامعة التقنية في فيينا التي درس فيها الهندسة المدنية قبل تحوله لدراسة الفن. ثم غادر فيينا في العام 1910 لاكتشاف العالم، مسافراً إلى أوروبا وإفريقيا وبعدهما آسيا وأرجاء المحيط الهادي. ودرس الرسم في باريس العام 1913.
ومع نشوب الحرب العالمية الأولى، عاد لانغ إلى فيينا وتطوع للالتحاق في الخدمة العسكرية في الجيش النمساوي وحارب في روسيا ورومانيا، وهناك جُرح ثلاث مرات. وأثناء تعافيه من إصاباته ومن صدمة القذائف في العام 1916، كتب بعض السيناريوهات والأفكار السينمائية. ثم تم إعفائه من الخدمة العسكرية برتبة لفتاننت (مقدم) في العام 1918 وبدء التثميل في دائرة المسرح الفييني لمدة قصيرة قبل تعيينه ككاتب في شركة ديكلا وإريخ بومير الإنتاجية في برلين.
الأفلام التعبيرية: سنوات ويمر (1918-1933):
كانت الفترة التي كتب بها قصيرة، حيث سرعان ما بدأ لانغ العمل كمخرج في أستوديو “يوفا” السينمائي الألماني، وبعدها في “نيرو-فيلم”، وذلك مع نمو الحركة التعبيرية. وفي هذه المرحلة الأولية من مسيرته، تعاقب لانغ العمل بين الأفلام الفنية مثل The Weary Death وأعمال الإثارة المعروفة مثل The Spiders، جامعاً فئات شعبية من الأفلام مع التقنيات التعبيرية لخلق مشاريع مسلية غير المسبوقة مدموجةً بالسينما الفنية. وفي العام 1920، قابل زوجته المستقبلية، الكاتبة والممثلة “ثيا فون هاربو”. وعملا سوياً على كتابة جميع أفلامه بين عامي 1921 و1933، ومنها فيلم Dr. Mabuse the Gambler في العام 1922، والذي كانت مدة عرضه بنسخته الأصلية أكثر من أربع ساعات وعلى جزأين، وهو الأول في ثلاثية Dr. Mabuse، بالإضافة لكتابتهما التحفة المشهورة Metropolis في العام 1927، وM المهم، الفيلم الناطق الأول له.
فريتز لانغ وثيا فون هاربو في شقتهم ببرلين في عام 1923 أو 1924
ومع أن البعض يرى أفلام لانغ أنها أعمالٌ ميلودرامية بسيطة، فقد قدم مجموعة من المشاريع المتوالية التي ساعدت على تأسيس خصائص الفيلم الأسود، بمواضيعها المتكررة حول الصراع النفسي والقدر والغموض الأخلاقي. وقد ألهمت أعماله مخرجين منوعين من أمثال جاك ريفيت وويليام فريدكين.
وبعد تقديمه لفيلم Woman in the Moon في العام 1931، أخرج لانغ الفيلم الذي يعتبره الكثير من المؤرخين السينمائيين تحفته الخالصة بعنوان: M، وهو قصة موترة عن قاتل للأطفال (الدور البطولي الأول للممثل بيتر لوري) تتم مطاردته من قبل العدالة القاسية لعالم برلين الإجرامي الخفي. ولا يزال الفيلم عملاً مؤثراً حتى الآن؛ وقام جوزيف لوزي بإعادة إنتاجه في العام 1951 لكن نسخته لم تؤثر كثيراً في المشاهدين وباتت مشاهدتها أقل من تلك الأصلية. وقد لخص لانغ الصورة النمطية للمخرج الألماني المستبد مثل إريخ فون ستروهيم وأوتو بريمنغر؛ حيث عُرف عنه صعوبة التعامل معه. فخلال المشهد الأهم في فيلم M، يُقال أنه رمى بالممثل بيتر لوري من فوق مجموعة من السلالم كي يعطي مظهر لوري الرث مصداقية أكثر. وارتداء المخرج لنظارة أحادية الزجاج أضاف للصورة النمطية هذه بيتاً من الشعر.
بدء لانغ مع نهاية عام 1932 بتصوير فيلم The Testament of Dr. Mabuse. واستلم أدولف هتلر السلطة في يناير العام 1933، وبتاريخ 30 مارس منع النظام الجديد عرض الفيلم بحجة تحريضه للشغب الشعبي. ويعتبر العمل أحياناً كفيلم معادِ للنازية حيث قام لانغ بوضع جملة استخدمها النازيون في فم شخصيته الرئيسة.
وبينما كان لانغ قلقاً حول نشأة النظام النازي، وجزء من ذلك يعود لأصوله اليهودية، بدأ وزوجته هاربو التعاطف مع النازيين في بداية ثلاثينات القرن الماضي وانضما إلى الحزب النازي في العام 1932 قبل طلاقهما. وقد تحقق مخاوف لانغ بعد رحيله من النمسا لأن قوانين تحسين النسل النازية اعتبرت المخرج يهودياً رغم اعتناق والدته للكاثوليكية الرومانية وتربيته على هذا النحو.
في موقع تصوير فيلم The Woman in the Moon عام 1929
هجرته
غادر لانغ ألمانيا بعد ذلك بوقت قصير لكن ظروف هجرته لا تزال قيد الجدل: فقد ورد عن لانغ أن وزير الإعلام جوزيف غوبيلز استدعاه لمكتبه ليطلعه أنه سيتم منع عرض فيلم The Testament of Dr. Mabuse لكنه مع هذا كان منبهراً بقدرات لانغ كمخرج (خصوصاً في Metropolis)، وعرض عليه منصب رئاسة أستوديو يوفا السينمائي الألماني. وكان لانغ قد خطط مسبقاً لترك ألمانيا إلى باريس دون علم غوبيلز بذلك، بيد أن الاجتماع معه طال كثيراً إلى أن أغلقت البنوك أبوابها، وعليه طار لانغ تلك الليلة دون أمواله، ولم يرجع قبل انتهاء الحرب.
هذه القصة غريبة لصعوبة تأكيد صحة الكثير من تفاصيلها، بينما أولئك القادرين على إثباتها يستشهدون بدليل مناقض آخر: أن لانغ فعلاً غادر ألمانيا بمعظم أمواله، عكس أغلب اللاجئين، وعاد إلى ألمانيا أكثر من مرة في تلك السنة. لم يكن هناك شهود لاجتماع غوبيلز مع لانغ، لكنهم حين عادوا إلى دفتر مواعيد غوبيلز، لم يجدوا سوى نقطة منع الفيلم دون أي دليل في كتاباته يؤكد نيته على إعطاء لانغ أي منصب. ويعرض فيلم (ازدراء) للمخرج جون-لوك غودار، يلعب به لانغ دور شخصيته الحقيقية، حبكة فاضحة حول القصة كما حدثت.
ومهما كانت التفاصيل، لانغ فعلاً غادر ألمانيا في عام 1934 وانتقل إلى باريس بعدما انتهى زواجه من ثيا فون هاربو في العام 1933 لتبقى هي في ألمانيا.
صور لانغ في باريس نسخة عن مسرحية Liliom للكاتب فيرينك مولنار من بطولة تشارلز بوير، وهو الفيلم الوحيد للانغ في فرنسا (دون ذكر النسخة الفرنسية من فيلم Testament)، وبعدها توجه للعمل في الولايات المتحدة.
مسيرته في هوليوود (1936 إلى 1957)
انضم لانغ حال وصوله هوليوود إلى أستوديو إم جي إم وأخرج الدراما البوليسية Fury. وحصل على الجنسية الأمريكية في العام 1939. وخلال الواحد والعشرون سنة القادمة قدم لانغ 21 فيلماً، وعمل في أنواع مختلفة من الأفلام داخل كافة استوديوهات هوليوود الكبرى، وأحياناً كان ينتج أفلامه بنفسه. وقد تم وصف هذه الأفلام على أنها العنصر المكمل لنشوء وثورة فئة أفلام الجريمة الأمريكية، والفيلم الأسود تحديداً، علماً أن النقاد آنذاك كانوا يرونها أقل جودة من الأفلام الأولى التي قدمها لانغ في بداية مسيرته.
واحد من أشهر أفلامه السوداء هو الدراما البوليسية The Big Heat في العام 1953، الشهير بعنفه الشديد، خاصة في المشهد الذي يقوم به لي مارفين برشق قهوة حارقة على وجه غلوريا غراهام. وخلال هذه الفترة، تبسط أسلوبه البصري (بعضاً من ذلك يعود للقيود التي فرضها نظام الأستوديو في هوليود) وتشاءمت نظرته نحو العالم تدريجياً، وبلغ هذا الأمر ذروته في الأسلوب البارد والهندسي لأفلامه الأمريكية الأخيرة مثل While the City Sleeps العام 1956 وBeyond a Reasonable Doubt العام 1957.
بات لانغ يرى الأمر أكثر صعوبة في العثور على ظروف إنتاجية مناسبة في هوليود، وتقدمه في السن قلل من رغبته بالجدال مع الممولين الأمريكيين. وكان المنتج الألماني آرتر برونير مبدياً اهتمامه لإعادة صنع فيلم The Indian Tomb (وهي قصة كان قد حضرها لانغ في العشرينات قبل أن يأخذها منه رؤساء الأستوديو ويخرجها جوي ماي بدلاً منه)، فعدل لانغ عن نية تقاعده وعاد إلى ألمانيا ليصنع “ملحمته الهندية”. وبعد تنفيذ المشروع، كان برونير جاهزاً ليكمل إعادته لفيلم Das Testament des Doctor Mabuse حينما عرض عليه لانغ فكرة إضافة فيلم آخر للسلسلة، والنتيجة كانت فيلم The Thousand Eyes of Dr. Mabuse للعام 1960، الذي صنع بعجلة وميزانية متواضعة. يمكن وصف العمل كجمع بين أساليب المخرج الأولى والتقنيات التعبيرية في ألمانيا والطريقة الإسبارطية الواضحة في أعماله الأمريكية الأخيرية. لانغ كان يقترب من الإصابة من العمى خلال تصويره الفيلم مما جعله آخر مشاريعه كمخرج.
وفاته وتاريخه
ومع أن مسيرته انتهت دون أي جلبة، فقد احتفى النقاد في مجلة “كرّاسات السينما” الفرنسية بأعماله الأمريكية والألمانية التي قدمها في أواخر مسيرته. وتوفي لانغ في العام 1976 ودفن بمقبرة “فوريست لون” في منطقة هوليود هيلز بلوس أنجلوس.

