Midnight in Paris – 2011
“He has been walking around Paris.”
ترجمة مهند الجندي عن جيمس بيراردنلي.
أتصور أننا جميعاً نلجأ لأحلام اليقظة بين فينة للأخرى لنلمس شعور الحياة في حقبة مختلفة وربما أبسط من حياتنا الراهنة. والمخرج وودي آلين الذي كثيراً ما استخدم ضمن وصفاته السينمائية عنصر الحنين للذكريات يوظف هذا التصور بفيلمه (منتصف الليل في باريس). وهو عمل غريب عند قياسه ببعض المعايير، فلا هو درامي بحت ولا كوميديا خالصة، لأنه أخف وأرق ليلامس المشاعر بطريقة عميقة، وظرافته هادئة وخفيفة وبالكاد تظهر الحدة المعروفة بأعمال آلين. ومع هذا، فالفيلم عبارة عن حكاية خيالية ونزوة مثالية. إن تكوين العمل مشكل بطريقة تجعلنا نصدق إمكانية حدوث المستحيل لأن ما يخوض فيه المخرج هنا يحمل أفكاراً تمس كافة البشر؛ كمثال سانتا كلوز الذي نعرف أنه خيالي بيد أن فكرته قريبة لأفئدتنا لدرجة تجعلنا نتقبل العيش معها.
يقضي غيل (أوين ويلسون) وإنيز (رايتشل مكآدمز) عطلة قبل زواجهما في باريس، ولا يلزمنا الكثير من المشاهد لنتفهم بأنهما لا يليقان ببعضهما كزوجين. فهو رجل بسيط يحلم بعيش حياة الرحالة. ومع أنه كاتب هوليودي ناجح، إلا أنه يتوق للانتقال إلى باريس وكتابة رواية، وهي فكرة تسخر منها خطيبته المادية. في إحدى الليالي، وبدلاً من الخروج للرقص مع خطيبته وصديقها “المتحذلق” بول (مايكل شين)، يفضل غيل أن يتجول في طرقات باريس، وبعيد حلول منتصف الليل بقليل، تصطف عربة خيل بجواره ويدعوه مجموعة من الأشخاص المحتفلين للانضمام إليهم، فيكتشف أنه قد انتقل إلى حقبة زمنية أخرى، إلى مدينة الأنوار ما بين الحربين، حيث يمكنه تمضية الوقت مع الكتاب إف. سكوت فيتزجيرالد (توم هيدلتسن) وإرنيست همغنواي (كاري ستول) وغريتود ستين (كاثي بيتس)، وأدراينا (ماريان كوتيار) المغرية. وقبل حلول الفجر، يعود غيل إلى العالم المعاصر، لكن أسفاره القصيرة الممتعة هذه لم تصل لنهايتها.
تتصف قصة (منتصف الليل في باريس) بالبساطة في معظم فتراته، خاصة لأولئك الملمين بحكايات السفر عبر الزمن (أو من يشاهد مسلسل Doctor Who بما ينطوي عليه من “خيال علمي” يستخدمه هذا الفيلم). لا يحاول العمل شرح الآلية التي تسمح لغيل التجوال في نقلته الزمنية، بل هي تحدث فقط. وهو خيار مناسب لأن تبرير السحر بأي سبب لطالما بدا متكلفاً وسخيفاً. إن الفيلم حول الحالة والشعور والأسلوب، وألين دائماً ما يصور مشاهد طويلة وكاملة بحيث تجعلنا الكاميرا المتحركة نشعر كالذباب على الحائط (وهذه ليست الكاميرات المتأرجحة التي صعبت مشاهدة أفلامه في أوائل التسعينيات). ومدينة باريس المصورة في الفيلم هي تلك الموجودة في بطاقات الأعياد والأفلام الرومانسية، حيث يفتتح آلين الفيلم بصور لمواقع سياحية شهيرة كيوم مغيم يفسح الطريق لأمسية ممطرة، وهذا المقطع هو الأكثر عاطفية فيه.
يخفق هذا المشروع بالوصول لمستوى أهم أفلام آلين، لكنه أيضاً لم يقدم أية أعمال مهمة في السنوات الأخيرة. إنه عمل صغير مسلي ومثير للاهتمام كمعظم الأفلام الخفيفة الحديثة لهذا السينمائي، وربما أكثر مرحاً منها. ومع أن التصوير في مدينة الأنوار قد أشعل غرائز آلين البصرية، إلا أنها لم تسفر عن سيناريو أفضل مما هو مكتوب. فالحوار يفتقر للحيوية وخفة الدم معدومة الحس. ربما يكون الفيلم أمنية وتحققت بالنسبة لآلين، وفكرة الجمع لنجوم من الأدباء والفنانين في مكان واحد تحدث وسط مستوى غير اعتيادي من الاحترام.
كما تعد شخصية غيل التي يؤديها أوين ويلسن في (منتصف الليل في باريس) بديلا لحضور آلين. فكثيراً ما يكاد المرء أن يسمع وودي ينطق بجمل شخصيته الرئيسة، في حين أن شخصية غيل ليست عصبية مما يجعلها تغييراً يدعو للسرور؛ وهذا يسمح للشخصية أن تكون أكثر تعاطفاً واستقلالاً عن البطل التقليدي في أفلام آلين. غيل لديه علاقتين غراميتين، الأولى في الحاضر والمتمثلة في خطيبته إنيز التي تلعبها رايتشل مكآدمز بسحر الأفعى الملتفة (كما هو الحال مع كاثرين هيغل). وهناك أدريانا التي تؤديها ماريان كوتيار، وهي ملهمة مغرية نوعاً ما قد تجعل أي شخص يستغني عن التلفزيون والكمبيوتر وفوائد التكنولوجيا الحديثة. والعديد من الممثلين المساندين مثل كاثي بيتس بدور غيرترود ستين وأدريان برودي بدور سالفادور دالي وكاري ستور بدور إيرنست هامنغواي يخطفون المشاهد التي يظهرون بها. يحصل آلين على أفضل ما في جعبة هؤلاء الممثلين وهم يلعبون أدواراً لشخوص أسطورية. عدا أنه يعطي السيدة الفرنسية الأولى كارلا بروني دوراً ناطقاً (تلعب دور المرشدة السياحية التي تترجم يوميات أدريانا إلى الإنجليزية).
ثمة أمر غريب واحد حول الفيلم وهو إصرار آلين بإخراجه كخرافة حقيقية بإضافة عنصر أخلاقي فيه، والرسالة – حول رضا المرء بحاضره – ليست موجودة في خفاء المضمون وتنظر من المشاهد الفطن أن يكتشفها، بل هي معلنة بشفافية كإشارة منارة بضوء النيون لدرجة أن أي مشاهد أبله ينام عند منتصف الأحداث سيفهمها. نادراً ما وظف آلين خاصية الوعظ هذه في سينماه.
تنطبق كلمات مثل “لطيف” و”ممتع” و”سهل” على (منتصف الليل في باريس)، مع أن البعض قد يرى أن هذا مديحاً خجولاً بحق العمل، خاصة الذين يبحثون في أفلام وودي آلين عن نظرته الساخرة حول نقاط ضعف الرجل في الحب. عادةً ما تتعامل أفلام آلين بمواضيع الحب والجنس – وينغمس في حنين الذكريات أحياناً – لكنه ما ندر قيامه بذلك بهذه الرومانسية الجريئة. الفيلم لا يلامس العظمة لكنه طريقة جيدة هادئة لتمضية 100 دقيقة من وقتك.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

