The Ghost Writer – 2010
“البدايات.”
بقلم مهند الجندي.
بغمضة عين، تتطاير الحياة كالأوراق، دون استئذان أو مقدمات، إلى الخفاء.
تجرف الأمواج بالجثة الأولى نحو الشاطئ، بينما تتمايل الرياح بالدليل الوحيد عن وجود الجثة الثانية وحياتها أساساً فوق عتبات الطريق. يبدأ فيلم (الكاتب الخفي) للمخرج رومان بولانسكي بالموت وينتهي عنده، لكنه بنفس الوقت، عملٌ تغمره حياة جديدة لمسيرة مخرج يعرف الكثير عن حبكة المؤامرة والأسرار والخيانة، وعن العيش في الخفاء كالأشباح تحديداً، فقد عايشها بنفسه. قصة الفيلم التي تتمحور حول نجاعة رئيس وزراء إنجليزي وتستلهم الكثير من تفاصيلها من أيام توني بلير، تبدو مادة خصبة مثيرة للاهتمام بغموضها وجرائمها وخباياها السياسية الفاسدة، غير أن بولانسكي، كالكثير من ساردي القصص الأوربيين القديرين، يهتم ويعرج لتطبيق وتمثيل ما يمهر به في العملية الفيلمية، مستخدماً حبكته الغليظة هذه كخلفية يخطو عليها بأسلوبه، وأداة لخلق مشاعر التوتر والتشويق عبر الوجوه وملامحها المبطنة بخفايا يصعب التكهن بها.
يعرض بولانسكي في (الكاتب الخفي) مشاكله الشخصية كما فعل في عدد من الأعمال الشهيرة، فأبطاله غالباً ما يلفهم فضول دموي ويوقعون أنفسهم في التهلكة إما لأسباب الشخصية أو كضحايا لظروف مأساوية. قد لا يقول الفيلم مباشرةً أنه بريء من كل تلك التهم التي وجهت ضده وأبعدته عن الولايات المتحدة لأكثر من 30 سنة عبر الشاشة، لكن اقتباسه لرواية روبيرت هاريس “الشبح” بنفسه بمساعدة من كاتب الرواية يلمح إلى ذلك بلا شك. ويتبين ذلك من دخول الكاتب الخفي (إيوان ميغريغر) كبريطاني دخيل في غرفة أمريكية بحتة ليتولى مهمة كتابة مذكرات رئيس الوزراء البريطاني آدم لانغ (بروس بروسنن).
يبدو للوهلة الأولى أن المهمة لا تناسب هذا الكاتب، بيد أن فطرته ككاتب يبحث عن ما هو مثير للاهتمام تدفعه لأن يندس ويُستدرج ضمن هذه الشبكة المعقدة من الشخصيات ذات النفوذ التي لعب أدوراً في انخراط آدم إلى السياسية وموت كاتبه الخفي السابق المفاجئ. فيُرسل إلى جزيرة معزولة بذات تلك الخصال الشبحية بموظفين وأفراد تعتري وجوههم بأشياء من الشك والريبة والقلق طيلة الوقت، ليتمكن من كتابة السيرة عبر لسان آدم مباشرةً. حالٌ يصف وضع آدم لانغ السياسي وما سيتورط به من اتهامات ومكائد، ويضع الكاتب الخفي تحت تهديد دائم ومن كل شيء؛ فأينما يخطو أو يدخل أو يجلس، في حجرته بين من يقابلهم أو أثناء الأكل، فوق الرمال تحت المطر أو أمام البحر، ثمة شعور حاضر بأن مكروه ما إما وقع أو على وشك ذلك، محيط المكان وشخوصه هي عوامل تلعب دوراً أساسياً في الفيلم.
غير أن تميز العمل، وإن تطلب مشاهدة ثانية لتأكيد ذلك قطعياً، لا يأتي من قصة مبتكرة فعلياً ومجريات لم نرها من قبل، أو حتى وجهة نظر المخرج حول الصور الفاسدة سياسياً وطريقة تعامل السلطات البريطانية مع المشتبهين الإرهابيين إلى جانب رفض الحكومة الأمريكية بأن تقوم المحكمة الجنائية الدولية بتطبيق سلطاتها القضائية، بل تتجلى في مهارة بولانسكي بتجديد تلك العوامل ضمن إطار معاصر بواسطة ما يُعرفه من سردٍ كلاسيكي متمهل يسمح للمشاهد أن يتشرب الأحداث والمشاهد والشخصيات ويتفاعل معها فقط باستخدام موسيقى ألكسندر دسبلات المؤججة والمتسللة بالضيق والوحشة حين ينطبق الصمت أو ينعدم الحوار، أو رسم تلك النظرات والاستراقات على الوجوه، وسخرية واعتيادية بعض المشاهد الغريبة (كممارسة شخصيتين للجنس دون مقدمات حرفية بل ضمنية تؤدي لحدوث ذلك).
اختيار بولانسكي للممثل إيوان مغريغر لأداء هذا الدور هو واحد من أذكى خطواته؛ فهو كممثل، وإن بدا له تاريخياً طويلاً في هذا المجال، لا يعلق بأذهان الجمهور بأي أدوار هامة يذكر له، وهو تماماً كشخصيته التي لا نملك عنها أية معلومات شخصية أو تفاصيل قد تشغلنا لما يمر به بطلنا الآن، ومع ذلك نرتاع لرهبته ونهتم لأمره. الأمر الذي يشير إلى حرفته كمخرج يعرف كيف يدير مشاهديه كما هي إدارته للسيناريو. وإن كنت قد سمعت عن مصطلح “فيلم محبوك بعناية” ولم تشهده حقاً، أو اشتقت لمثله، فهذا الفيلم خيار مناسب ودقيق لك، عودة بولانسكي لدهاليز (الحي الصيني) لعام 1974، أفضل أفلامه، حيث يخولك إحساس أن البطل يقترب شيئاً فشيئاً من الحقيقة، بينما هو في الواقع يتحول إلى شبح خفي لما كان عليه قبل توغله في هذا العالم، ودون علمه بذلك.
الحياة أعقد الألغاز، فانتبه دائماً، من/إلى البداية، ولا تقبل – أبداً – بدور أحد الأموات.

من اذكى الافلام و اكثرها عبقرية انا شفتو 3 مرات و ما مليته