Kingdom of Heaven – 2005

“صلاح الدين: القدس لا شيء… وكل شيء.”

كتبها مهند الجندي بتاريخ 13 يونيو 2005.

إذن كيف خرجت صورة المسلمين وصلاح الدين الأيوبي داخل هذه المملكة الهوليودية؟ وجهة نظر المخرج ريدلي سكوت والكاتب ويليام موناهان حول ذلك الفارس الشجاع العبقري والمواظب على الجهاد تنقل لنا صورة “غير مقلقة”. صحيح أن التصوير يرينا رؤوس العرب والمسلمين تتقطع ونادراً ما نرى العكس، وجموع المصلين المسلمين يؤدون عبادتهم متفرقين، إلا أنه تحيز وجهل أمريكي فطري، وستتساهل معه عندما تنتهي من مشاهدة الفيلم كاملاً. بل أن الجماعات المسيحية في أمريكا هم الذي اعترضوا على تشكيل المسيحيين كوحوش تتاجر بالدماء من أجل الغنائم والثروات. في الحقيقة هناك سؤال حرج آخر، هل كان هذا الفيلم على مستوى التوقعات؟ الإجابة هي “لا”.

يتعامل (مملكة السماء) مع مواضيع أزلية حول الدين والحرب والخلاف بين العالم المسيحي والمسلم، يرفض التحيز ضد دين أو لوم ثقافة محددة، لكن ورغم تلك المعارك الحابسة للسيوف، وصف ريدلي سكوت الملفت لزمن الصليبيين وإدارته الواثقة للمعارك، فإن (مملكة السماء) يفتقر للمسته التي أعطت فيلمه الحربي السابق (المصارع) تلك الحافة العميقة المؤثرة، مع أنه كان فيلم مبالغ في جودته، إلا أنه على الأقل صُبغ بتعليق فطن ومبطن عن أساليب وجبروت السلطة السياسة العالمية المعاصرة.

ومع أن مجريات فيلمي المصارع ومملكة السماء حدثت في فترات وقرون مختلفة، ويسردان قصص أيضاً مختلفة، إلا أن الفيلمين يتشاركان في عدة أشياء، كلاهما يملك بطل فقد عائلته وإيمانه، وعليه أن يعيد صياغة مبادئه ونظرته السياسية والشخصية. ومن هنا نلاحظ أن سكوت كمخرج يفضل بطل كلاسيكي معين. وعادة ما يكون بطل قوي وموهوب في ساحة المعركة، مغموس في أحداث تاريخية هامة، والتي من خلالها يمر بفترات أزمة ومشقة ومآسي تظهر معدنه الحقيقي، حاله كحال “ماكسيموس” الجنرال الروماني، الذي ثار أخيراً وتحدى الإمبراطور.

يعود ريدلي سكوت يعود إلى زمن الصليبيين، صراع عمره 200 سنة بين الشرق والغرب، يقص حكاية حداد شاب فرنسي، كان قد فقد عالمه بأكمله، لكن ليكتشفه نفسه كفارس شجاع صاحب رسالة. الفارس يدعى باليان (أورلاندو بلوم) يعاني لموت طفله وانتحار زوجته. باليان، حسب قول أحد الكهنة الموجودين بكثرة في الفيلم – قد غضب الله عليه. مع ذلك، فإن هذا الشاب يرى طريقاً للخلاص من هذه المحنة من قبل والده المفقود منذ زمن طويل، غودفري (ليام نيسين)، وهو محارب صليبي مشهور في القدس يريد من ابنه الفرنسي أن ينضم إليه في المدينة المقدسة. تحت قيادة الملك بالدوين الرابع (إدوارد نورتون مختفِ تحت قناع معدني)، حيث القدس عام 1184 يحفظها نوع من سلام يفتح أبواب المدينة أمام جميع الأديان، ترحب بالنصارى، اليهود والمسلمين ليقوموا بالعبادة في معالمها المقدسة. على أية حال، القلق والاضطراب والصراع يبدأ من قبل غادي دي لوسغنان (مارتون اكساكوس) زوج شقيقة الملك بالدوين، سيبيلا (إيفا غرين)، الذي يريد بالتعاون مع تاجر حرب حقود (بريندن غليسون)، أن يهاجم الجيش القريب من القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي (الممثل السوري غسان مسعود، بإطلاله مذهلة) مما سينقض المعاهدة التي أبرمها ملك القدس مع صلاح الدين، الأخير قرر تجهيز جيش بـ200 ألف فارس لاسترداد القدس من المسيحيين. في هذه الأثناء، يسعى باليان لتحقيق مبتغى والده في تحويل القدس إلى “مملكة تفخر بها السماء”، صورة مثالية يمني بها القلب لأن يحكمها الإيثار والتعاون، وتعيش بها كل الأجناس والمعتقدات بسعادة وتوافق تحت رضا الله عز وجل.

لتفادي أية إثارة للجدل، بما أن الفيلم يتعامل مع اشتباكات دينية وثقافية، منها قضيتنا الأزلية في الشرق الأوسط والصراع الطويل هناك (الاعتراف باستقلال كامل لدولة فلسطين)، والحرب الحالية في العراق، فإن (مملكة السماء) يفضل سلوك طريق أكثر سلامة وهدوء، إستراتيجية تهدف لإخراج صورة توازن بين المسلمين والنصارى. ومن أجل الدقة، قام ريدلي سكوت باختيار ممثلين عرب مسلمين لأداء أدوار العرب المسلمين في الفيلم (منهم خالد النبوي). الجهد لتجنب أية خلاف عقائدي أدى إلى إصدار فيلم يحمل أفكار سياسية كثيرة، مسهبة تفتقر لتحليل كافي. سيناريو ويليام موناهان (أكان ول عمل سينمائي له قبل عمله مع مارتن سكورسيزي) ينجح أحياناً في تناول مناحي الحياة لذلك العصر، وكذلك الطبائع البشرية وما تعرضت له من حوادث.

إنما الفجوة تكمن في أننا نرى هذه الشخصيات وهم مشمولين في حالة شعورية معينة ولا يوجد شيء مما يقولونه يقدر على إقناع المشاهد أو إثارة مشاعره، تارة يكثر الكلام حول الأمل والحب والعيشة الهنيئة، وتارة أخرى يظهر أشرار غير مركزين عن تجار الوطنية ونفاقهم، النضال الصادق والمضمون الأخلاقي في (مملكة السماء) لم يوفر له مناخ صحيح يشوقنا لمعرفة مصيره في النهاية. كذلك، بعض الميلودراما في تصوير ريدلي سكوت تشعر المشاهد بالخيبة والتململ أحياناً، فهو يصور في ضوء شمس حين تكون الأيام سعيدة، وأزرق غامق حين تكون شخصيته مكتئبة أو حزينة.

سمعة سكوت تؤكد اهتمامه بتفاصيل الإنتاج، شهور من البحث الدقيق، تصاميم وديكورات مميزة (صممها هنا آرثر ماكس الذي عمل في المصارع والخطايا السبعة من قبل)، وأيضاً مواقع عمل وتصوير في عدة بلدان، منها المغرب وإسبانيا. كما أن ميل المخرج للمهارة والإتقان البصري يترك دائماً أثر ما عند الجمهور، فقط تذكر العالم الذي ابتكره في فيلم الخيال العلمي المتفوق (كائن الغريب) عام 1979. غير أن سكوت مُنتقد بتفخيمه الزائد للمشهد الإنساني، وزجه المرغم لعلاقة رومانسية ينقصها الإقناع، عدا عن المؤثرات الخاصة التي قد تقف عائقاً أمام تصديق الجمهور العام لمشاهد القتال والمعارك الطاحنة (في سلسلة سيد الخواتم كان الاستخدام الزائد للحاسوب شيء مبرر، فهو عالم خيالي بالأساس).

قام أورلاندو بلوم بثلاثة أدوار فروسية وقتال فقط خلال الأربع سنوات الأخيرة، ويبدو أنه لم يسأم قبل أن يلعب البطولة وحيداً، وهذا ما يفعله هنا. المشكلة تكمن في صعوبة هضمه كشاب يقدر على قيادة آلاف مؤلفة من الجيوش العتيدة برشاقته ونحالة جسده وصوته، بلوم مناسب عندما يؤدي باليان الحداد البسيط المحب الذي يسعى لإيجاد إيمانه مرة أخرى وترك الأسى والحزن، لكن عندما يقف أمام ليام نيسين أو جيرمي آيرونز يسهل على المرء القول أنه ما زال يتعلم المهنة. إدوارد نورتون في الجهة الثانية يعود باختيار حاذق للعب دور ملك القدس المصاب بالسل، حتى تحت قناع حديدي، نورتون يبتكر أداء  لشخصية محترقة في الروح وليس في الجسد. غسان مسعود يترك بصمة عربية مشرفة، وهو فنان معروف بمؤهلاته التمثيلية العالية (يشهد على ذلك أدواره التلفزيونية والمسرحية التاريخية) بملامحه الأصيلة الجادة، التي تعكس مزايا قائد مغوار شديد البأس ناصراً للضعيف على القوي.

مع وجود بعض العيوب في صلب القصة (الموسيقى التي وضعها هاري ويليامز تصيب وتخيب)، فإن (مملكة السماء) أفضل بمراحل من بعض الأفلام التاريخية الهوليودية الأخيرة، (طراودة) لم يكن رديئاً بل افتقر لمخرج أكثر ملائمة خلف الكاميرا، (الاسكندر) مع أنه شغف وحلم أوليفر ستون إلا أنه خرج لنا بفيلم لا يشرح العقلية الفريدة لذلك الفاتح اليوناني، أما (الملك الآرثر) فقصته الركيكة وحدها توفي بفشل طموح أكبر فيلم. تكلفة (مملكة السماء) وصلت إلى 130 مليون دولار (أصبح معدل أي فيلم ضخم أكثر من 100 مليون دولار)، وهذا بطريقة معينة ثمن ما نراه على الشاشة، نظام الصوت والأزياء، التصوير السينمائي ملوكي من قبل جون ماثيسون، يتلقط ذهب الصحراء الترابي، قصور وغرف مزينة، وساحات الحرب المضنية.

أخيراً، وإلى أن تحين الساعة المنشودة، ويستيقظ صانعوا الأفلام في العالم العربي وينتجوا فيلماً يتكلم عنهم بأصدق الطرق الممكنة عن أمجاد حضاراتنا وقادتها، نحن مضطرين للقبول مبدئياً بفيلم كـ(مملكة السماء) الذي لن يصبح ظاهرة كلاسيكية كما هو القلب الشجاع، لا يتحصن بتلك الكمية من المشاعر المقنعة في سبيل الحرية وحب الوطن، لكن عشاق هذا النوع من الأفلام سيستمعون به كفيلم سينمائي حربي مسلي في 145 دقيقة؛ مشاهد قتال مدهشة، ومعركة ختامية رائعة هي أفضل ما وفره ريدلي سكوت في إطلالة ملحمية جيدة مبهجة للعين، متحفظ نوعاً ما للتاريخ، لا أكثر ولا أقل.

IMDB

أفاتار غير معروف

لا تعليقات بعد على “Kingdom of Heaven – 2005

  1. فلم فاشل بمعنى كلكة الفشل ووجب ععلى الممثلين العرب عدم الاشتراك لانهم دنسوا التأريخ بابشع صورة فقد اضهروا صلاح الدين قائد قلق وليس لديه الشجاعة في اتخاذ المواقف فسحقاً للتاريخ ؟؟؟

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading