مقالات مختارة (1)

 اختياري لأحد المقالات الحديثة المهمة للناقد القدير محمد رضا

عن هذا الجهل المنتشر!

 

اكترث لكي تدخل الجنة 

 بقلم الناقد محمد رضا.

لا تزال بعض الصحف والمجلات تُغيب الكتابة في السينما وعنها خلال شهر رمضان. تفتحها تلفزيونية وهات يا كتابة عن كل ما يُعرض من مسلسلات وبرامج على الشاشة الصغيرة. ليس من باب أن المساحة محدودة، بل من باب غريب هو أن رمضان والسينما ليسا مستحبّان في فترة واحدة. الأول كله خير ورحمة وبركة والثانية …. الثانية ماذا؟ كذب، دعوة للانحلال؟ رخص؟ لا أفهم.

هل إذا كانت كذباً وانحلالاً ورخصاً والى غير ذلك تكون حلالاً خارج الشهر الكريم؟ هل هي حلال في شعبان وربيع الأول وربيع الثاني ورجب وباقي أشهر السنة العربية وحرام فقط في رمضان؟

ثم ماذا عما يُعرض على التلفزيون؟

هل هو بريء من أي من الصفات التي يجدها البعض في السينما؟ هي أيضاً “أكاذيب” مصوّرة- إذا كانت السينما أكاذيب. تحوي تمثيلاً، إذا كان التمثيل حرام. تتناول قضايا اجتماعية وعاطفية إذا كان ذلك عيب سينمائي.

ما هي التهمة الموجّهة الى الفن السابع بالتحديد؟

أقول لك ولا أبالي: السينما ليست وسيطاً مريحاً لفريقين من الناس: السياسيين والمتطرّفين. الأول خوفاً من أن تشيع المعرفة والثقافة والعلم وهي تضر بالسُلطات على اختلاف أنواها وفي كل مكان، والثاني لأنه يراها شيئاً من العلم الذي بالنتيجة يدعو الى تغيير قيم دينية لا يجوز تغييرها. تطرح ما يمكن أن يُشيع بين الناس وجهات نظر غير ملائمة او متديّنة.

السينما هي لسان الشارع والمثقّف والتلفزيون لسان من أمكن تدجينه٠

وحين يقوم منتجون ومخرجون وممثلون وأصحاب مهن اخرى متّصلة بالسينما بالتجارة فيها وتسخيفها بأعمالهم فإنهم يمنحون زاداً قابلاً للإشتعال بالنسبة للمتطرّفين يستخدمونها كدلالة على أن السينما عهر وفجور ليس إلا٠

لكن على من تطلق مزاميرك يا داوود. هل أتوقّع من منتج يرى العالم من ثقب الدولار أن يدرك مسؤوليته تجاه العالم؟ هل أتوقع من مخرج هائم على وجهه بين المشاريع السريعة يريد التهامها بصرف النظر عما فيها أن يثوب الى رشده؟ او من ممثل يفكّر بنفسه 40 ساعة في اليوم يعتقد أن التاريخ بدأ به أن يدرك الحقيقة؟

طبعاً لا. لكني أتمنّى من هذا الجيش الكبير من الناس، من الـ 300 مليون نسمة عربية، أن تستخدم سلاح العقل لا الجهل. أن تطلب وتطالب بحرية المبدع والمثقّف في أي وسيط كان. بعلاقة ثقة بين الدين والدنيا والدين وما في الدنيا من إبداعات. سيسعدني إذا ما نظر المتطرّف (او حتى المتديّن رغم أن التديّن ليس سبة) الى واقع أن كل شيء يمكن استخدامه كسلاح لك او عليك.

ثم كيف نقبل من التلفزيون ما نرفضه في السينما؟

هل نحن في عداد المحطات التلفزيونية أكثر من أرقام يبعثون بها لشركات الإعلان لكي يقبضوا ثمنها إعلانات على أمل الإثراء على أكتافنا (او بالأحرى من وراء عيوننا)؟ أتحدّث عن التلفزيونات التي يمكن للعائلة مشاهدتها وليس عن تلك التي تبث الخلاعة والإسفاف وتعيش على حلم أن يتخلّى كل مسلم وكل عربي عن مبادئه.

تلك التلفزيونات الموجّهة الى العائلة تضن على الناس بالحقيقة في الأخبار وبالجدّية في البرامج. تحذف ما يدخل في باب العلوم والمعرفة وتسطّح ما يمكن أن يشكّل ثقافة وتلغي ما يقارب بين الناس. ليست جميعها، لكن كثير منها هي ماشية تمشي حسب عصا السلطان، لكنها جميعاً تقريباً تُسير المشاهدين وتعاملها بعصاها مثل الماشية٠

ثم معظمها يعيش في غير هذا العالم٠

هناك صورة على غلاف مجلة »تايم« (في نسختها الأميركية على الأقل) لفتاة دون السادسة عشر قطع المتطرّفون في أفغانستان أنفها فتحوّل الى ثقب في وسط وجهها.

هناك من يفتي أن إرضاع المرأة لرجل يكبرها سنّاً حلال.

هناك من يفتي لك هذه الأيام -وبناءاً على مصلحته الخاصّة- أن الفائدة في المصارف حلال٠

هناك من يكذب وينافق ويقطع الأرزاق ويحرم الميراث ويسطو على أملاك الغير ويبغي ويتسلّط ويضرب النساء والرجال ويعتدي على الكرامات ويفسد في الأرض وكثير من هؤلاء يصلي ويصوم.

هذه نماذج لبعض ما هو مطلوب من رجال الدين ورجال الإعلام مواجهته.

بعد الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر تداعى المسؤولون لمؤتمرات إعلامية في محاولة لتغيير صورة الغرب عن الإسلام والحد من الإسلاموفوبيا…. أين وصلت تلك القرارات؟ ما حل بها؟ كيف يمكن تطبيقها ونحن ما زلنا نفعل كل ما من شأنه أن يثير فزع الغير او عدم ثقته؟

حينها تم إلغاء فكرة أن تستطيع السينما أن تفعل شيئاً. كل شيء ممكن هو بعض الإعلانات الصحافية والإتصالات الرسمية وحملات توعية. صحيح؟

في هذه الكلمات أنا مثل من يركب سيّارة تجنح يمينا ويساراً وتضرب هنا وهناك. اعذروني. فالأمور التي أراها لا يمكن جمعها في منهج واحد. كل شيء، وأكرر، كل شيء في حياتنا أفراداً ثم جماعات، بحاجة الى تصحيح. سكوننا الى المريح والمعتاد والتلقائي ولو كان على خطأ. كل يوم نستيقظ لكي نمارس الفعل نفسه وغالباً من دون أن نحس. لا نراجع واذا راجعنا لا نتراجع. لا نعترف بخطأ وإذا فعلنا ذلك بررناه. نفتح أعيننا ولا نرى. نسمع ولا نبالي. نقرأ ولا نمعن. ما الذي حدث لنا؟

كل يوم وليلة هناك من ينام منا، نحن المسلمين، في العراء، ولا أتحدّث عن الفلسطينيين وحدهم. الفقر شائع ويجلب معه الجهل والخطأ والخطيئة و… الكفر. ومع ذلك نحن لا نبالي.

كل يوم وليلة هناك من يجوع وهناك من لا يملك ثمن دواء ولا حتى ثمن عشاء.

كل يوم هناك خطيئة تقع. إنسان شرس بلا ضمير يغتصب ويذبح ويظلم ويفسد ولا يهم إذا كان الشهر رمضان او ذي الحجة٠

والفلسطينيون؟ راجعوا الصور. المنازل المسلوبة وتلك المهدومة والشجر المقلوع والعنصرية الطاغية والمشرّدون والقتلى وأولاد المخيّمات.

بتنا لا نكترث٠

لا …. نكترث٠

لا شيء يهم. ندعو الله وبذلك نحيل الأمر إليه. المسؤولية ليست مسؤوليتنا٠

لكنها مسؤوليّتنا: الجهل والفساد والظلم والتفرقة والمغالاة والنفاق والأنانية وباقي العلل ما نسيت منها وما لا لم أنس، كلها مسؤولياتنا. كل ما يحدث في عالمنا على كل المستويات. كل ما له علاقة بتلويث الأرض والسماء والماء والبحر والنفس البشرية من مسؤوليّتنا. اكترث لكي تحمي دينك واكترث لكي تحمي وطنك واكترث لكي توقف اعتداء الإنسان على الإنسان. اكترث لأجل شجرة. اكترث لأجل كتاب. اكترث لأجل فيلم. أكترث لأجل ماء نظيفة. حياة حلوة. عدالة. إطلاق سراح بريء. منع الظلم. اكترث لكي يحترمك العالم. اكترث لكي ترفع سقف الثقافة. اكترث لكي تحمي الإبداع. اكترث لكي تمهّد لعالم أفضل لأولادك….. يا أخي اكترث لكي تدخل الجنة

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading