مقابلة مع المخرج آرون شنايدر حول فيلم “Get Low” ومسيرته الفنية

 هل تكون عودة الممثل روبيرت دوفال الأوسكارية

حكاية سينمائية بين مخرج شاب طموح وممثل قدير صوب أغرب “جنازة” قد تسمع بها

ترجمة مهند الجندي عن HollywoodChicago.com.

 أسطورة رجل ريفي ناسك في ثلاثينات القرن الماضي – حكايةٌ تجمع بين شعبية المكان، شيءٌ من المغالاة وبعضٌ من الحقيقة – تُبصر النور عبر عين المخرج آرون شنايدر وأداء الممثل القدير روبيرت دوفال في فيلمهما الجديد “Get Low” الذي يشاركهما بطولته كل من بيل موري وسيسي سبيسيك. هذه الدراما القائمة على أفعال شخصيتها الرئيسية هي مزيج سينمائي عن الأسرار وشعور الندم وطلب الخلاص.

 يلعب الممثل روبيرت دوفال دور فيليكس بوش، وهو رجلٌ ناسك ومنعزل في كوخ شجري في حقبة الثلاثينات من القرن العشرين. يوماً ماً، يثير معمعةً غريبة حين يتوجه إلى البلدة ويبدي رغبته في دفع تكاليف مراسم جنازته. لا يمانع مسؤول الجنازات فرانك كوين (بيل موري) بتأدية هذه الخدمة للرجل العجوز، إضافةً لطلبه بإجراء جنازته وهو حي يرزق. ومع انتشار خبر هذه الاتفاقية الفريدة من نوعها، يطل بعض الأشخاص من ماضي بوش من بينهم حبه القديم ماتي دارو (سيسي سبيسيك). حينها يبدأ السر الغامض الذي يلف حكاية هذا الرجل بالتلاشي شيئاً فشيئاً.

 عمل المخرج آرون شنايدر على نقل سيناريو الفيلم إلى الشاشة الكبيرة لعدة سنوات قبل أن يُخرج فيلمه القصير الأول بعنوان “Two Soliders” الذي فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم قصير حي لعام 2003. وهو بدء حياته المهنية كمصور سينمائي جامعاً ذخيرة مبهرة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، ومنها العمل في وحدة التصوير الثانية في فيلم “Titanic”. بيد أن فوزه بالأوسكار تلك السنة له صلة بمقدم الحفل آنذاك: بيلي كريستل.

مشاورة: روبيرت دوفال بدور فيليكس بوش والمخرج آرون شنايدر في موقع تصوير فيلم “Get Low

 تحدث مراسل موقع HollywoodChicago.com مع المخرج آرون شنايدر حول الفيلم وعن عمله مع أساطير ونجوم التمثيل وتوليفه لقصة فيليكس بوش.

 سؤال: تدور أحداث هذا الفيلم في مكان وزمان محددين، ما هي الخصائص التي حبذت التركيز عليها في السيناريو أو ضمن العمل نفسه لتجسد عنصري الوقت والمكان على أحسن صورة؟

 جواب: قمنا بالبحث عن موقع لمدة ثلاث أو أربع سنوات قبل حصولنا على تمويل للفيلم، فكنا نعرف أن التحدي الأكبر في العمل ضمن الميزانية هو تطبيق هذه الجملة البسيطة من السيناريو: “يعبر فيليكس بوش البلدة على ظهر بغله من الطريق الرئيسي”. وعرفنا أيضاً أن تصوير هذا المقطع السريع الصغير سيكون أصعب موقع نبحث عنه وأكثرها كلفةً، وأنه سيحدد خصال بطلنا. 

 من السهل العثور على حظيرة وكنيسة ومنزل لتلك الحقبة، هذه الأمور موجودة في كل مكان، لكن التحدي يكمن بأن نجد طريق رئيسي ممتد يمكن التصوير فيه دون أية أعمدة هاتف أو مطاعم مكدانلدز. بحثنا في كافة أرجاء الجنوب الشرقي حتى كارولينا وصولاً إلى تينيسي ولويزيانا. وقفتنا الأخيرة كانت في جورجيا، تحديداً في بلدة صغيرة تدعى كراونفورد فيل، وكأنها هبطت علينا من السماء. لم يكن أحد قد لمسها بعد، ولا حتى ملازم الأبواب وأوجه الطوب. وبسبب تأثر البلدة بالانكماش الاقتصادي، عثرنا على بعض الغرف الشاغرة في المتاجر المطلة على الطريق. لم يكن هذا الطريق رائعاً وحسب، بل أتاح لنا بناء موقع للتصوير على أوجه المحلات لنربط كافة ملامح الحقبة. 

 سؤال: ثمة وجود لعوامل العصر التكنولوجي التي تقتحم أسلوب حياة فيليكس الانعزالية (السيارات والتصوير والمايكروفونات الخ)، وقد توسعت في الحديث عن ميزاتها المهيمنة. كيف تؤثر هذه التغيرات التكنولوجية على قصة فيليكس برأيك؟

 جواب: لم أكن أفكر في التكنولوجيا، لكنها كانت طريقة لعرض حداثة كل هذه الأمور بالنسبة ل لفيليكس. فهناك مفارقة وطرفة حول هذا الأمر. كنا نعرف أن المشهد الذي يظهر به صوته على المذياع سكون مضحكاً، لأن احتمال ظهور شخص مثله كضيف في برنامج حواري هو أبعد شيء يمكن تخيله. 

 سؤال: ما هي نوع المصداقية التي كنت ترغب بتحقيقها من خلال سرد حكاية تقع في ثلاثينات القرن الماضي؟ هل تعمقت في طريقة تصرف الشخصيات في تلك الفترة من الحضارة الأمريكية أم أنك تركت الأفكار العامة تطغى على الأجواء؟

 جواب: إضافةً لموقع التصوير، فإن مصداقية تلك الحقبة تمكن في السيناريو، فقد حظينا على كاتبين هما كريس بروفنزانو وتشارلي ميتشل. الأخير كان المسؤول عن مراجعة النص، وقد أضاف الكثير من تفاصيل تلك الفترة على السيناريو، كالسلوكيات وطبيعة الناس آنذاك. فأسلوب اجتماعاتهم وطبيعة حس الفكاهة بينهم هما من تفاصيل الزمنية، تماماً مثل المروحة العتيقة القابعة في خلفية المشهد. 

 سؤال: تستند هذه القصة على حكاية فلكلورية أمريكية حقيقية. فما هي العناصر التي رغبت في إبرازها ضمن هذه القصة الحقيقية حين كنت تعمل مع كتاب السيناريو وفريق الإنتاج، وما هو المشهد الأكثر تجسيداً لهذه الوقائع الحقيقة باعتقادك؟

 جواب: مشهد الجنازة في الواقع هو الأكثر تجسيداً للحادثة الحقيقية، والقصة نفسها حدثت فعلاً، فقد أقام رجل منعزل مع رفيقه البغل جنازة حقيقية حضرها 10,000 شخص، لكننا لم نتمكن من تغطية تكاليف الاستعانة بهذا العدد من الأشخاص (يضحك).

 لم نعرف كيف تمكن من ترتيب الجنازة. طرحنا العديد من الأسئلة لؤلئك الذين لا يزالوا يذكرون تلك الواقعة، لكن حين تصل إلى السؤال عن “السبب؟” كل واحد منهم كان يخرج بنظرية ما، ولا أحد يعرف السبب الحقيقي، وكأنه لغز غامض. الأمر الذي وفر انطلاقة للعنصر الخيالي في القصة. فالحادثة حصلت لكن سببها كان من تأليفنا، ونجاحها يعود لأن الجميع يجهل السبب ورائها. وقد تمحور فيلمنا حول اكتشاف هذا السبب. كان سؤالاً بديهياً لا إجابة له، وبداية الفيلم تحضر لهذا الموضوع ونأمل أن يتعجب الجمهور بالسؤال: “ما الذي يجري بالضبط؟”.  

من ضحك أخيراً؟ بيل ميوري بدور فرانك كوين في “Get Low”

 سؤال: يعمل معك في فيلمك الطويل الأول ممثلين حائزان على جائزة الأوسكار، وكوميدي شهير وعدة ممثلين قديرين في أداء أدوار الشخصيات. هل يمكن أن تشاركنا ببعض الأمثلة عن توجيهاتك لهم ولشخصياتهم بهدف نقل الفيلم إلى الشاشة برؤيتك الخاصة؟  

 جواب: لقد فضلت أن تكون مساهمتي الأكبر بالعمل هي في تحسين السيناريو مع الكاتبين، حتى قبل بدايتنا بتنفيذ الفيلم. كل شيء يبدأ وينتهي من السيناريو، ليس فقط بما يتعلق بصورة الفيلم النهائية التي تقدمها، بل أيضاً بخصوص جذب اهتمام الممثلين. فإن تسنى للممثلين الحصول على سيناريو جيد، تعلم حينها أنك أضفت شيئاً، وابتكرت مادة سينمائية تجذب ممثلين رائعين.  

 جميعهم قرروا الاشتراك في الفيلم لأنهم أحبوا السيناريو ولرغبتهم بالعمل مع بوي دوفال. وأشعر بالفخر لأني ساعدت بوبي دوفال ليكون بطل هذا الفيلم، وبعدها ازدادت الأمور الإيجابية تباعاً.

 سؤال: تمتاز الممثلة سيسي سبيسك بأسلوب خاص بها ورؤية في لعب شخصية ماتي، ما الذي تركز عليه كممثلة لتقوم بأداء دورها بهذا التميز حسب رأيك؟

جواب: تحدثت سيسي حول هذا الأمر قليلاً، فقد شعرت بوجود الكثير من الحب التائه في الفيلم. وهذا ما ركزت عليه. ماتي أحبت فليكس لسنوات طويلة، وها هي الآن تعود لحياته لكنه يحب امرأةً أخرى لم تعد موجودة. لذا فهناك حب مفقود بين ماتي وفليكس، وحب ضائع بين فليكس والمرأة التي فقدها. لا بل أن هناك بعض التلميحات بين شخصية بيل موري وماتي. جميعهم يمرون بالوحدة بعض الشيء، ويلجئون لأشخاص ليسوا بمتناولهم. الوحدة تجمعهم بطريقة ما.  

 تمر شخصية سيسي برحلة هائلة، من أرملة تحاول إكمال حياتها بسلام إلى وقوعها في الحب مرة أخرى. تكتشف ماضياً عمره 40 عام لم تكن تعرف عن وجوده أصلاً. بالقدر الذي تتمتع به شخصية دوفال من قوة، إلا أنني فخور أيضاً بأداء سيسي لأنها تتعرف على هذه الأمور لأول مرة. فتطلع على حياة كاملة جديدة تعرضها للخسارة مرة ثانية، وتُسحب من تحت قدميها 40 عام من الذكريات. أعتقد أن أدائها كان رائعاً. 

 سؤال: موضوع هذا الفيلم عن التغيير والخلاص، ليس فقط لفليكس بوش، بل للعديد من الشخصيات. حياة من الشخصيات، باستثناء فليكس، ترى أنها عرفت التغيير الأكبر مع نهاية أحداث الفيلم؟

 جواب: شخصية بيل موري هي أشبه ببائع متجول، نسمعه يتحدث عن بداية جديدة لحياته إن لم يُكتب النجاح للجنازة. يراودك الشعور أنه يبحث عن مكان كي يرتاح فيه ويستقر. شخصية بيل تمر خلال مجريات الفيلم بتغييرات جميلة.

 سؤال: ما رأيك بالتحول الذي قام به بيل موري كممثل؟ بانتقاله من الأجواء الهزلية إلى مشوار أكثر جمعاً بين السخرية المأساوية في السنوات العشرة الأخيرة. هل تشعر أن دوره في فيلمك هو استمرار لهذا التحول؟

 جواب: أنا بالتأكيد أكبر محب للممثل بيل موري في العالم. فقد كبرت وأنا أتابعه في سكيتشات “Saturday Night Live” وجميع أفلامه الكلاسيكية لعقد الثمانينات. وبعدها جاء فيلم “Rushmore” الذي يحتوي برأيي على أحد أفضل الأدوار التمثيلية على الإطلاق. لا أعتقد أن هناك أي ممثل آخر يملك القدرة على جعل المشاهد يحزن ويضحك ويبكي بنفس الوقت. الناس يحبونه أينما ذهب، والشيء نفسه ينطبق على شخصيات أفلامه. السر يكمن بالشعور، فثمة متعة باختيار ممثل حساس للعب دور رجل خسيس. شخصية موري تقول وتفعل بعض الأمور السيئة في Get Low، لكن الابتسامة لا تفارقك وأن تشاهده، لأن بيل موري ممثل مرهف الإحساس. 

 سؤال: صحيح أن أحداث الفيلم تجري في الماضي الأمريكي، لكن كيف تعبر هذه القصة برأيك عن أمريكا المعاصرة وما هي الرسالة التي تنقلها لنا؟

 جواب: لا أعرف. توجهي نحو القصة مرتبط في الطريقة التي غيرت بها تجارب فيليكس بوش حياته بشكل كبير. فقلة منا عرف مثل هذه الظروف التي تدفعنا للعزلة طوال 40 عام، ونصبح ناسكين. يقول فيليكس عند نهاية الفيلم: “لطالما اعتقدت أني سأكتشف العالم، لكنني لم أذهب لأي مكان فعلاً، وهذا جزاء أفعالي.”

المخرج آرون شنايدر في شيكاغو، 23 يوليو 2010

 كنت أفكر بذلك وبهرت بالأمر، يمكن أن أفكر بعدة أشياء حدثت لي في الحياة وأثرت طريقة عيشي الحالية. لذا حتى وإن لم نكن منعزلين ولم نفرض على أنفسنا سجن جسدي، فنحن سجناء بأساليب ضمنة ونفسية. جميعنا عرف تجربةً أو مأساة أو ارتكب خطأ يطاردنا وينغص علينا حياتنا. وقد يكون هذا هو مغزى الحياة، التخلص من تلك الهموم التي تؤرقك. وهذا ما تتمحور حوله معاني فيلم Get Low في الواقع.

 سؤال: ضمن التفاصيل الإنتاجية للعمل، يقول روبيرت دوفال أن السيناريو ذكره بالكاتب هورتن فوت وفيلمه الأول “To Kill a Mockingbird”، فما هي أوجه الشبه التي تجمع بين شخصتي فيليكس بوش وبو رادلي حسب وجة نظر دوفال؟

 جواب: كلاهما مريب ومعزول وغامض ومجهول، لكنهما في النهاية يستجدان عطفنا.  

 سؤال: خمس سنوات تفصل فيلمك القصير “Two Soldiers” الحائز على الأوسكار عن “Get Low”. هل كان سبب هذه الفترة هو عدم توفر المشروع المناسب ليكون فيلمك الطويل الأول أم ثمة ظروف أخرى وراء هذا التأخير؟

 جواب: ليس من الغريب أن نسمع عن محاولة صناع الأفلام بتنفيذ أفلام درامية جيدة أو أخرى مستقلة. نسمع أشياءً مثل “أعمل على الفيلم من أزل” أو “من خمس – ثماني – عشرة سنوات”. بيد أنني اتخذت قراراً بعد جائزة الأوسكار وما أتاحته لي من فرص للقاء العديد من الناس والبحث عن المواضيع. لقد رغبت فعلاً بأن يكون فيلمي الطويل الأول هو خطوة صحيحة اتخذها، ليس من ناحية مسيرتي المهنية، بل لأنه من الصعب علي صنع فيلم لا أحبه. وكأني أريد “مواعدة” الفيلم، أريد أن “تزوجه”.

 سؤال: ما هو أغرب شيء حصل خلال لحظة فوزك بالأوسكار أو جزء من كل الأجواء المحيطة بالحفل؟

 جواب: كنت طالباً في كلية الهندسة، وخلال عامي الدراسي الثاني فيها قررت الالتحاق بكلية السينما. وهي خطوة اتخذتها بناءً على نصيحة من الممثل بيلي كريستل. كنت أعاني من ملل الهندسة، وذلك أثناء عطلة قضيتها في فلوريدا، وبيلي كريستل تواجد هناك برفقة عائلته.

 لطالما عشقت المؤثرات الخاصة، وكنت أريد أن أبني شكل “The Millennium Falcon” وأصوره باستخدام تقنية الشاشة الخضراء. فقالت لي والدتي: “لما لا تسأل بيلي كريستل عن كيفية الوصول للمؤثرات الخاصة.” فتوجهت وقدمته نفسه له، وكان لطيفاً جداً. مختصر الحديث أنه نصحني بكلية السينما، وقال أن المؤثرات الخاصة هي حرفة أكثر منها مهنة أو شهادة. فاحصل على بكالوريوس بفنون الإنتاج السينمائي، وستمر بكافة مراحلها، ولعلك تجد مكانك في النهاية. وقد كان محقاً بالفعل.

 انجذبت فوراً للتصوير السينمائي، لأنها كانت بمثابة مزيج رائع بين علم الضوء والعدسات، وتجمع بين فني الشعور والسرد القصصي. إنها كالهندسة والرسم. ثم تخرجت وقمت بإعداد بكرة سينمائية وشرعت بالتصوير بقدر ما استطعت، وتدرجت من تصوير الأغاني المصورة والإعلانات وأخيراً مع نهاية التسعينيات قمت بتصوير أفلام تلفزيونية وسينمائية.   

 قررت بعدها أني أريد صنع أفلامي الخاصة، وهذه كانت الغاية من الفيلم القصير، تجربة تحويل مسيرتي المهنية ولإثبات مقدرتي على الإخراج للناس. لكن أغرب شيء حول الأوسكار كان عدم إدراكي للمفارقة بأن بيلي كريستيل نفسه هو مستضيف ذاك الحفل حتى اللحظة التي نادوا بها اسمي وصعدت للمسرح. لم أربط المسألتين ببعضهما بعد. وأثناء صعودي للدرج ورأيته يقف هناك، قلت في نفسي: “يا إلهي.” كنت قد حضرت بعض الأسماء لكلمتي، بيد أنني تقدمت للمايكروفون وقلت: “بيلي، أراهن أنك لا تذكر نصيحتك لي بالالتحاق في كلية السينما، شكرا لك”. وهي اللحظة التي بدأت بها حياتي من جديد.

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading