Alexander – 2004

بعيداً عن حياة المخرج خارج إطار الكاميرا

وقفة مع أفلام أوليفر ستون بين الرديء والممتاز منها

نبدأ بـ(الاسكندر) المخيب للأمل، ولاحقاً مراجعة مترجمة للناقد روجير إيبيرت حول فيلم (الكتيبة)

 

“Alexander: in the end, all that matters is what you’ve done.”

“إنها أعظم حياة على الإطلاق” يقول المخرج أوليفر ستون في لقاء صحفي عن حياة الأيقونة العملاقة التي صورها في ملحمته السينمائية (الاسكندر)، ستون الذي يجري في عروقه صخب الحروب ومهولات المعارك يقدم سيرة ذاتية تبحث بطريقة ما في فكرة السيطرة علي العالم في عظمتها وجنونها، ومن خلال ذلك يقوم بنقد تاريخي لمآل القوة الأمريكية الأعظم في العالم. لكن مهما كانت توقعاتك كبيرة لهذه الملحمة فإن النتيجة مفاجئة على أقل تقدير. الفيلم يتحدث عن شخصية اسكندر وعن علاقته بالرجال من حوله، أكثر من حديثه عن فتوحاته وعن حياة الحكم التي عاشها وطبق بها أفكار لم تتكرر حتى وقتنا الحاضر. إنها سيرة ذاتية لا تبدو منصفة إلى من وجهة نظرة أوليفر ستون الخاصة التي يقول حولها “إن كنت تستطيع تمضية أربعة ساعات وأنت تقتل بيل، فإن الاسكندر يستحق بعض الوقت أيضاً”.

 لكن المؤسف أن ستون لم يعطنا وقت مفيد أو ممتع، أو ما يستحق تمضيته إلى مدة تصل إلى ثلاث ساعات، فمعالجته للشخصية التي فتحت 90% من العالم القديم تدخل في نفسية الاسكندر إلى درجة أنك تكاد تمقت الرجل، شذوذه المزعوم (أم لا؟) علاقته بوالديه وزوجته، هي عناصر يسلط عليها الضوء بشكل قوي لدرجة تهمش الأمور الحربية التي اشتهر بها. ليس أن فيلم يفتقد للمعارك، على العكس، مشاهد القتال رائعة بسبب رغبة ستون بتوفير قدر كبير من الملحمية، نعم هي أبرز ما الفيلم لكنها قليلة العدد وتأتي طبيعية الحضور ومتباعدة في التوقيت. المدة المكرسة للحروب التي تبرز عقل الاسكندر قصيرة، من كل الخيارات الحربية الكثيرة أمام أعين ستون، لا يركز سوى على الاثنتان – هزيمة الاسكندر للجيش الفارسي في غوغميلا، والمعركة الوحشية بين جيش الاسكندر والقوات الهندية على الفيلة. في حين أن المعارك الأخرى يكتفي ستون بتقديمها عبر الراوي.

 شن الاسكندر (كولن فاريل) الكبير منذ ثلاثة وعشرين قرناً حرباً قاسية، عبر بلاد الفرس، ومصر والهند. ما سببها؟ البعض يقول أنه كان يحلم بتوحيد الشعوب في ظل حكومة واحدة. وآخرون يؤمنون بأن الاسكندر كان مصاباً بجنون العظمة والسيطرة. والبعض لا يزال يعتقد أنه أراد أن ينشر حضارة اليونان وعلومهم في أنحاء العالم. الاسكندر في صغره، كان معتدل القامة، ذا شعر طويل أشقر، وأنف مستقيم، وعينين زرقاوين، تلوح على وجهه الشجاعة والقوة، وتجول في خاطره أحلام لا يحلم بها إلا القليل من الناس. والد الاسكندر فيليب (فال كيلمير) كان قوياً وشديد وحاد الطباع، أعوراً وأعرج، وإحدى يديه مشلولة، وأمه أوليمبياس (أنجلينا جولي) امرأة غير مأمونة وعاطفية. وما كان للولد الذي أنجباه إلا أن يكون حاد المزاج مثلهما. يقوم أنثوني هوبكينز بالتعليق على الفيلم لملئ بعض المراحل من حياة الاسكندر التي أبى ستون تمثيلها على الشاشة. بعد تمهيد أولي من هوبكينز لخلفية قصة الاسكندر، نشاهده كصبي صغير، ونعلم سريعاً أن والدته أوليمبياس قد علّمت ابنها أنه بمثابة الإله. بينما والده الملك فيليب بات بعيداً عن أمجاده وعن وريثة الوحيد.

 كان الاسكندر في العشرين من عمره فقط عند وفاة والده، ولكنه لم يصادف أي صعوبة في ارتقاء العرش لأن والده كان قد أعده لهذا المنصب وأحرز خبرة لا بأس بها في الشؤون الحربية، فضلاً عن أن والده لم يهمل تثقيف عقله، فقد كان أستاذه الفيلسوف اللامع أرسطو الذي علمه علوم الطب والسياسية والحقوق بالإضافة لعلوم العقل والحكمة. ولقد انتهزت شعوب اليونان والبلاد المغلوبة فرصة موت فيليب لنبذ النير المقدوني ولكن الاسكندر استطاع في سنتين بعد اعتلائه العرش أن يقهر كل أعدائه، وبعد ذلك تفرغ لغزو بلاد الفرس.

 الاسكندر يعتبر من أهم الشخصيات في التاريخ، وكانت من أهم نتائج فتوحاته أنه جلب الحضارة اليونانية والحضارة الشرقية جنباً إلى جنب، وهكذا أثرى الحضارتين، فقد انتشرت الثقافة اليونانية بسرعة في إيران وما بين النهرين وسوريا ومصر. وقد أسس الاسكندر أكثر من 20 مدينة أهمها الإسكندرية في مصر، التي أصبحت من المدن الطليعية في العالم ومركزاً من مراكز العلوم والثقافة. كان الكتاب الذي عشقه الاسكندر هو “إلياذة هوميروس” أو كتاب الأبطال. وقد حفظ الكتاب كله، وظل طول حياته وفي كل غزاته – يضع شيئين تحت وسادته حين ينام: خنجراً لحمايته، والإلياذة لثقافته وتسليته. لكن ماذا نرى من هذا في الفيلم؟ الواضح أن أوليفر ستون مهتم ليس فقط بعرض عظمة الاسكندر كزعيم عسكري، لكن أيضاً أنه كان رجل مهموم ومثقل بالأتعاب.

 بعض المشاهد ذات الحوارات الطويلة تغطي مناطق من شخصية الاسكندر يعرفها ويدركها معظم الجمهور الذي سيتوجه لمشاهدة هذا الفيلم. رغبة ستون بتصوير الاسكندر على أنه رجل ربي من أم مشوشة وسيئة، وأب عنيف سكير لم يفسر لولده لماذا يتبعه كل الرجال تحت أمرته حتى نهاية العالم. كذلك نتطلع على علاقته مع زوجته روكسان (روزاوري داوسون) وصداقته العميقة مع هيفائيستيون (جارد ليتو). لا يوجد مشاهد تصور أي شذوذ جنسي للاسكندر، لكن هناك تلميحات مبطنة غير مريحة. الاسكندر تحت أيدي أوليفر ستون هو رجل يشك بنفسه ومهووس بموهبة فتح كل أرض تقف أمامه، ولا يرينا إلا مقاطع مختصرة من العظمة والبطولة التي ميزته بمكانة فريدة لا تتزحزح من كتب التاريخ والأساطير. فلقد امتدت إمبراطوريته من تراقيا إلى مصر ومن اليونان إلى وادي الهندوس، وانتصر على ثلثي العالم المتحضر. وبلغت فتوحاته حدود الهند.

 أوليفر ستون اختار كولين فاريل للعب دور الاسكندر بوجهه الضعيف وليس لسماته القوية، ولهذا فإن فاريل يجيد هذا الأمر، غير أن تمثيله هنا لا يستحق الكثير من المدح بالنظر إلى الجوانب التي أغفلت من السيناريو الذي كتبه ستون مع كريستوفر كيل ولييتا كلوغرديس. أفضل أداء في الفيلم بأتي من فال كيلمر، لكن أكبر وأهم الأسئلة التي أفكر بها، هو لماذا اختار ستون استخدام عدة لكنات في الفيلم؟ إذا شاهدت المقاطع الدعائية وامتلكتك أية شكوك حول هذه الأمر فهي كما خمنت، اللكنات مزعجة وتضلل المشاهد في التفاعل مع الأحداث وتصديق التمثيل والحوار. أنا لست عالماً في التاريخ، ولا أدري إن كان الاسكندر الأكبر ومواطنيه المقدونيين قد تكلموا بلكنة أيرلندية؟ لكنهم في هذا الفيلم يتكلمون بطريقة لا تتلاءم مع الأجواء على الإطلاق. وماذا عن لكنة أنجلينا جولي العجيبة، وهي تبدو كأنها بريطانية تريد تعلم اللكنة الروسية في مدرسة ايرلندية! حتى مع مضي ثلاثة ساعات من الفيلم، اللكنات هذه لا تتوقف عن المضايقة.

 لا يوفر (الاسكندر) الألمعية والهدف المهم الذي عرف به مشوار أوليفر ستون على مدى سنوات عمله. الفيلم طويل جداً بدون ربط مشجع للمشاهد، السيناريو مكتوب بطريقة محبطة، التمثيل غير سائغ فنياً أو جمالياً. الفيلم لديه كل المواقع والأدوات المعتادة من ديكور وأزياء لكي يكون ملحمة من طراز أول وتغري المشاهد، إلا أنها تختار الفوضى والحسابات الشخصية كي تقع في فخ الفشل، فهو لا يقدم الفيلم ما يجب بالفعل أن نعرفه عن الاسكندر.

 

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading