Un Chien Andalou – 1929
“لكي ترسم يجب أن تكون مجنوناً”
“أنا لا اتعاطى المخدر، فأنا المخدر”
سلفادور دالي
إنه فيلم يشبه الصدمة أو الجنون.. فيلم غريب عجيب لا يمكن معرفة بدايته أو زمانيته.. حتى الإشارات إلى الأزمنة تبدو أشبه بهرطقة غير مألوفة تجتاح حلماً غير متناسق وغير بسيط إطلاقاً.. مجموعة من الأفكار المتناثرة تصنع حدثيّات غير متسقة لكنها ذات وقع جامح مؤلم في النفس.. إنها الثورة على كل شيء.. وبالضبط من خلال السبل غير العادية وغير المفهومة.. آخرون يرون فيه إظهاراً أوليّاً لمبادئ السريالية المثالية بلغة جديدة (هي السينما في ذلك الحين).
ظهر الفيلم عام 1929 بعد أن تمكن مخرجه “لويس بونيويل” من إنتاجه مادياً بالتعاون مع والدته ومن سيناريو للسيريالي الأول “سلفادور دالي”.. “Un Chien Andalou ” أو بالعربية “كلب أندلسي” فيلم قصير ليس فيه أي كلب..! وليس فيه أية إشارة إلى الأندلس..! كل ما في الفيلم هو فيض من روح “سلفادور دالي” يرسمها حروفاً, ثم يقوم بمزجها على شكل صور المخرج “لويس بونيويل” فتخرج على شكل سبعة عشر دقيقة من الجنون الرهيب.. ولا أعلم ما إذا كان سلفادور دالي يقصد بالكلب في العنوان الرجل في الفيلم وبالأندلسية الموسيقى في عمله..! وهذا سؤال عادي فيما لو نظرنا إلى أن السؤال سيكون هل أنت عاقل كفاية لتفسر هذا الفيلم أم مجنون لتراه ويعجبك دون تفسير.. لستُ في معرض طرح إجابة على هذا فالأمر متعلق بحالة الشغف السينمائي التي تتباين بين شخص وآخر.. ولكن ثق تماماً أنك إن لم تفهمه فلا مشكلة عنك.. فهو سريالية مطبقة ونفوذة إلى حدود الاستهجان.. سريالية لو بحثنا عنها في سيرة بونيويل ودالي سنفهم شيئاً من المشاهد التي أرادا ضخها بشكل غزير خلال هذا الزمن القصير.. فالفكرة الأولى هي أنهما كانا يريدان أن يظهرا لنا السينما كنتاج وعي.. كثورة على ما هو مألوف.. والعشوائية أجدها تعبيراً شخصياً عنهما..

الفيلم يغلي بصورة مراوغة مثيرة للقرف أحياناً.. وهو يكاد أن ينطق بشتائم وسخرية قبل حتى أن تنطق السينما.. ويريد أن يجتث منا شيئاً أعمق من الأحساس نفسه.. هذه الأشياء المتعددة ربما جعلت الفيلم هو الفيلم الأكثر شهرة من الناحية السريالية.. يحاول تكرار ذات الشخوص في مواضع متباينة بطريقة مستفزة متصلة بشكل غامض غير مفهوم.. وينتقي بطاقات من الأزمنة تجعل العمل أكثر قدرة على إضفاء حيرة أشد وأكبر عند المشاهد, ليقوّض أي إحساس متماسك لديك قد تخرج به منه .. “في قديم الزمان” – ” بعد ثمان سنوات” – “قبل الثالثة صباحاً”.. إشارات زمنية مضللة تستخدم بشكل متكرر لتلفت نظرك ثم تشتت أفكارك وتصنع فراغات عظيمة بينك وبين الحوادث وتضع مئات إشارات الاستفهام, وتجعلك تتنقل فيما بين الصور لا تلوي على شيء شاعراً بفراغ رهيب.. ثم لتكشف أخيراً أنك أمام صورة غامضة موحية.. وأفكار متناثرة الأغلب أن صانعيها أرادوا أن يفهموك أنها تحدث في أي زمان لذا فهي متجردة عن الزمان.. وعليه فأنت لستَ أمام قصة..

فضلاً عن الأزمنة فالانتقالات غير المألوفة بين الأماكن دائماً ما يمكن ربطها بالسيريالية والحلم.. ويبدو أن هذا بالذات ما كان يشكل التحدي أمام بونيويل ودالي في ما أرادا نقله وإظهاره في السينما.. “سينما الحلم” حيث العواطف والغريزة ورغبة القتل والهرب.. كل تلك الرمزيات تظهر على شكل ضبابية عابثة قد لا تؤدي غرضاً معيناً ككل, لكنها حالة لا وعي تحدث عند كل واحد فينا.. فالأحلام أحياناً لا تجد تفسيرات منطقية عندنا وتبقى خفيّة المغزى.. وكما هي فهذا الفيلم أيضاً يخرج عن أي نمط من الأنماط الفنية المكتوبة أو المشاهدة, حيث أنه يقوم بعرقلة الارتباط المكاني والزماني, وإخراجهما من ماهيتهما المنطقية ليتحول إلى حلم.. حلم موحي فقط لا أكثر..

قد لا نفهم أن رجلاً يقود دراجة يلبس لباس مرأة في أول الفيلم إلا من ناحية الرغبة طمس الهوية الجنسية عند من يدير الأحداث كأنه يحدث عند أي شخص.. لكن دعونا نتفق -كما أعتبر النقاد في ذلك الحين- على أن ما في الفيلم هو عبارة عن حالة عميقة من نبذ البرجوازية وسلوكها.. وهذا سيبدأ نضحه منذ أن يقوم البطل بفقء عين البطلة من خلال موسى حلاقة عندما يغيب القمر, ثم مرة أخرى خلال جثث الحمير المقتولة التي سنراها فوق البيانو هذه الآلة التي بدو أنه رمّز بها إلى الارستقراطية.. مع إضاءة غريبة بترميز أغرب في الإندفاعات المكبوتة التي تم التعبير عنها مرّة على أنها جنسية, عندما كان الرجل يحاول الاتصال الجسدي مع المرأة المتمنّعة, مع صعوبة اقترابه منها على أثر ظهور مفاجئ لحبال مربوطة بينه وبين أجساد مشنوقة لكاهنين وكأنه النزاع العميق العسير بين الجنس والموت والدين.. ومرة في الكبت والقهر الذي قد يكون أكثر عمومية -لا فيزيائية- مع اختفاء فم الرجل من وجهه ليغدو غير قادر على الحديث.. أما في صورة خروج النمل من يد الرجل في أكثر من مشهد كأنه تأثير ثوري جديد.. فكل ما لدينا يوحي أن الرجل ميت ولكن مستمر في تحريك الأحداث أي أنه له تأثير بعد مماته..! ولا تسأل عن الأمكنة! فالمرأة تقطن مرة في منزل مطل على ساحة عامة تصدمها فيها سيارة عابرة في ظل تحمس الرجل لمقتلها ثم لنجدها معه في غرفتها! ويوم تخرج من الغرفة يصبح الباب مطلاً على البحر..! وهذه كلها مجرد تفسيرات شخصية قد لا يشاطرني بها الجميع.. فالأمر ليس بهذه البساطة كي نحلله أو نتوافق عليه.

من حيث الصورة لا شك أن الفيلم اعتمد على المونتاج بشكل كبير, فكانت الصورة هجوماً عدوانياً في مطلق الدقائق, على شكل صدمات مزعجة أو انتقالات مبهمة جنونية. مستفيداً من موسيقى تانغو إسبانية مرافقة متكررة لكنها جميلة.. الارتكاز كان على ممثلين اثنين Pierre Batcheff وSimone Mareuil وقد قدما أداء رائعاً وانسجما في حال الفوضى الغريبة حتى أوصلانا إلى الإيهام المطلوب..

