مراجعة The Weight: الحرية بوزن الذهب

يجمع فيلم “The Weight”، الذي تدور أحداثه عام 1933 حول مجموعة من سجناء معسكر للعمل القسري يخططون لسرقة سبائك ذهب من منشأة تخزين نائية تابعة للاحتياطي الفيدرالي، أكثر من فيلم في عمل واحد. يبدأ بوصفه دراما سجون عن رجل اعتاد العزلة قبل أن يجد نفسه قائدًا للآخرين. ثم يتحول إلى مغامرة في البرية تتلاحق فيها مشاهد الحركة بلا هوادة، وإلى إثارة نفسية عن رجال يحاول كل منهم التلاعب بالآخرين بحثًا عن المال أو الحرية. وعلى امتداد هذه الحكايات، يظل الفيلم حكاية رمزية سياسية عن العلاقة بين رأس المال والعمل. واللافت أنه ينجح في جميع هذه الجوانب.
لكن الجانب الأخير هو أكثرها إثارة للاهتمام. فكثير من الأفلام تتباهى بروح متمردة على السلطة، بينما لا يتجاوز تمردها في جوهره عبارة “لا أحد يملي عليّ ما أفعله”. أما “The Weight”، فيتبنى موقفًا تقدميًا واضحًا، ويتحدث عن قضايا عصره بطريقة تجعلها وثيقة الصلة بعالمنا اليوم. ولعل أقرب عمل يمكن مقارنته به هو رواية جون شتاينبك “The Grapes of Wrath”، واقتباسها السينمائي الذي أخرجه جون فورد، وهما العملان اللذان أسهما في ترسيخ صورة الكساد العظيم في الذاكرة الثقافية. ويمكن النظر إلى صامويل مورفي، الشخصية التي يؤديها إيثان هوك، بوصفه نسخة جديدة من توم جود، بطل شتاينبك الصريح والبسيط، وقد تحول إلى بطل حركة يفكر قبل أن يتصرف، ويتمتع بقدرة على فهم المواقف وقراءة ما يجري من حوله تفوق قدرة أي شخص آخر يشاركه المشهد.
تبدأ الحكاية مع مورفي، الأرمل الذي لم يمض وقت طويل على وفاة زوجته، والذي لا يزال يحتفظ بروح الرجل الخارج عن القانون. يُطرد من الشقة التي كان يعيش فيها مع ابنته الصغيرة بيني (أفيري بيري)، فيضطر إلى البحث عن مسكن جديد لهما. وبينما يقف مع ابنته في أحد الأزقة، يطرق باب رجل قد يؤجرهما منزلًا، يظهر ثلاثة رجال فجأة ويسألونهما بحدة عما يفعلانه هناك، محذرين إياهما من الاستيلاء على العقار دون حق. تتصاعد المواجهة سريعًا إلى عراك، يتعامل فيه مورفي مع رؤوس الرجال كما لو كانت أكياس ملاكمة. ثم يكتشف أن أحد الذين انهال عليهم بالضرب كان شرطيًا. فتودع السلطات بيني مؤسسة لرعاية الأحداث، وتحكم على والدها بقضاء سنة في معسكر عمل يديره كلانسي (راسل كرو)، وهو رجل كث اللحية، غليظ العنق، يجد متعة خاصة في تحطيم إرادة الرجال من خلال الترهيب والعقاب وتكليفهم بأعمال يعرف مسبقًا أنهم أعجز من إنجازها.
وعندما يكلف كلانسي مورفي بإحدى هذه المهام، يتغير مسار الفيلم. عليه أن ينقل صخرة ضخمة يقول كلانسي إن هرقل نفسه سيعجز عن تحريكها. لكن مورفي يفاجئه بتولي زمام المبادرة وإنجاز المهمة بالحيلة والمهارة. يغرس أدوات معدنية في ثقوب حُفرت مسبقًا داخل الصخرة، فيشطرها إلى أجزاء، ثم يستخدم ما يشبه الرافعة الميكانيكية لرفع القطع الأكبر حجمًا. يستحضر المشهد لحظات شهيرة في أفلام أخرى، يجمع فيها العمل الشاق رجالًا متباينين ويدفعهم إلى التعاون، مثل اقتلاع جذع الشجرة في “Shane”، أو نقل كومة الصخور في “The Last Castle”. وبينما يراقب كلانسي مورفي، يدرك أنه أمام رجل يمتلك مقومات القيادة، ويتمتع بمهارات متعددة، ويحفظ كلمته، وينجز ما يُطلب منه دون ضجيج.
ولهذا يعرض عليه مهمة مختلفة تمامًا.
كان الرئيس الأميركي آنذاك، فرانكلين ديلانو روزفلت، قد أعلن مؤخرًا قرار إدارته التخلي عن معيار الذهب، في محاولة للحد من انكماش العملة الذي أسهم في إطالة أمد الكساد العظيم. وبدأت السلطات بإرسال مأموري إنفاذ القانون الفيدراليين إلى أنحاء البلاد لسحب الذهب المخزن في خزائن بنك الاحتياطي الفيدرالي. يريد كلانسي من مورفي قيادة مجموعة من السجناء لسرقة سبائك ذهب محفوظة داخل كهف في أعماق الغابة، قبل وصول السلطات إليها، ثم تسليمها إليه ليتقاسمها مع أصحاب النفوذ الذين يدعمونه.
وفي المقابل، يعد كلانسي السجناء المشاركين بأوراق إفراج مبكر يسري مفعولها فور تسليم الذهب. لا يملك مورفي ترف رفض العرض؛ فابنته ستُعرض للتبني بعد خمسة أشهر، أي قبل وقت طويل من انتهاء محكوميته. ويختصر دوافعه كلها بجملة واحدة: “أريد استعادة ابنتي”.
تضم المجموعة التي يقودها مورفي شخصيات متباينة، يمثل كل منها شريحة اجتماعية يمكن أن يجد بعض المشاهدين أنفسهم فيها. هناك آنا (جولي جونز)، وهي امرأة من السكان الأصليين تنضم إلى الرحلة وتتولى مهمة الطهي وإسعاف المصابين. وهناك سينغ (آفي ناش)، الاشتراكي الأميركي من أصول هندية الذي يستشهد بأقوال يوجين في. دبس، ويؤديه ناش بحضور لافت، حتى إن طريقته في إشعال سجائره تذكّر ببيرت لانكستر. يقضي سينغ عقوبته رسميًا بتهمة مقاومة الاعتقال خلال احتجاج، لكن عندما يقول أحد السجناء إنه دخل السجن “لأنه اشتراكي”، يعترف بأن هذا الوصف أقرب إلى الحقيقة.
أما أولسن (لوكاس لينغارد تونيسن)، فهو مهاجر إسكندنافي ارتكب جرائم خلال دفاعه عن مجتمعه في مواجهة لصوص أراضٍ من أبناء البلد، يكنّون العداء للمهاجرين ويسيطرون على السلطة المحلية. وفي المقابل، نجد رانكين (أوستن أميليو)، مصدر المتاعب داخل المجموعة؛ رجلًا وقحًا لا يتوقف عن السخرية ممن يختلفون عنه والتنمر عليهم، بينما يدافع عن نظام اجتماعي يضطهد رجالًا من أمثاله أيضًا، دون أن يدرك هذه المفارقة.
وتكتمل المجموعة بحارسين مسلحين (أليك نيومان وجيفري لي هولمان)، يتوليان مراقبة السجناء، ويدينان بالولاء لمدير المعسكر، ويستمتعان بإلحاق الأذى بالآخرين.
تتمتع هذه الشخصيات جميعًا بملامح واضحة إلى درجة أنك تشعر بأنك تعرفها قبل أن تخطو أول خطوة في الغابة حاملة حقائبها الفارغة. وهذه المعرفة المبكرة تجعل المشاهد أكثر انتباهًا للتحولات الصغيرة في العلاقات داخل المجموعة. ومع تقدم الرحلة، تبدأ بالنظر إلى كل شخصية بالطريقة نفسها التي ينظر بها مورفي إليها، فتبحث عن مصادر الخطر، ونقاط الضعف، والتحالفات التي قد تنشأ بين هؤلاء الرجال.
يقدم إيثان هوك هنا واحدًا من أفضل أدواره على الإطلاق، وربما أكثرها استحالة على التوقع بالنسبة إلى مشاهد خرج عام 1994 من عرض فيلم “Reality Bites”. يبدأ التحول من صوته؛ صوت عميق، أجش، يتقطع أحيانًا. وهذه سمة حديثة نسبيًا في أداء هوك، وربما جاءت دون قصد نتيجة النبرة الهادرة التي ابتكرها لشخصية جون براون في المسلسل القصير “The Good Lord Bird”، والتي بدت كأنها صادرة عن إحدى شخصيات العهد القديم. وفي بعض اللحظات، يستحضر صوته تلك الخشونة التي ميزت أصوات بعض الشخصيات التي أداها كلينت إيستوود خلال الثمانينيات والتسعينيات، حتى لكأن شظايا زجاج عالقة داخل آلة لطحن النفايات.
أما بقية أداء هوك، فتقوم على الاقتصاد الشديد في التعبير: يرى ما أمامه، ويفعل ما ينبغي فعله، ويشعر بما يمر به، ثم يمضي قدمًا.
تتوزع رحلة المجموعة إلى مخزن الذهب والعودة منه على مقاطع تفصل بينها بطاقات مكتوبة، تحدد موقع الأحداث ضمن التسلسل الزمني، بخط يشبه الخط الحديث المستخدم في عناوين صحيفة “The New York Times”، وهو اختيار غريب بعض الشيء. لكن كان من الممكن بسهولة أن تحمل هذه المقاطع أسماء التحديات التي تدور حولها؛ فكل جزء يتمحور حول اختبار أو مواجهة: الصخرة، الجسر الحبلي، المنحدرات المائية، القوارب، العراك.
يخوض المخرج بادريك ماكينلي، الذي سبق أن عمل منتجًا في “The Good Lord Bird”، تجربته الأولى في إخراج فيلم روائي طويل بثقة واضحة في التعامل مع مشاهد الحركة. يقدمها ببساطة وقوة، دون تعقيد بصري غير ضروري. وتبدو كاميرا مدير التصوير ماتيو كوكو في الموقع المناسب تمامًا لالتقاط كل حركة أو صورة، مع أن الزوايا التي يختارها نادرًا ما تكون تلك التي قد يلجأ إليها معظم المصورين.
أما الموسيقى التصويرية الإلكترونية، التي وضعها شيلبي وليثام غينز، فغالبًا ما تستقر على طنين ممتد، ثقيل بالنغمات المنخفضة، يعلّق إحساسنا بمرور الزمن. ونتيجة لذلك، تكتسب الانتصارات والهزائم وزنًا ملحميًا، رغم أن هذه الشخصيات العنيدة والعملية لن يخطر ببالها أبدًا أن تنظر إلى تجاربها بهذه الطريقة.
كان مخرجو أفلام الحركة في منتصف القرن الماضي، من أمثال باد بوتيكر في “The Tall T” وأنتوني مان في “The Naked Spur”، يقدمون باستمرار أفلامًا متوسطة الإنتاج، تتمحور حول شخصياتها، وتحمل روحًا قريبة مما نشاهده هنا. كانوا يعرضون الأحداث الرئيسية بوضوح وبساطة، ويتركون في الوقت نفسه مجالًا لقراءتها على مستوى يتجاوز معناها المباشر.
خذ مثلًا المشهد الذي ينتزع فيه مورفي حبيبات الرصاص من طلقات بندقية صيد استقرت في ظهر آنا العاري، ويصف لها كل جرح بينما يعالجه. وفي مشهد آخر، تساعده آنا بدورها على معالجة إصاباته. تكشف هذه اللحظات عن إدراك عميق لهشاشة الجسد البشري، لكنها تؤدي أيضًا وظيفة المشاهد الجنسية بصورة غير مباشرة، وتحتل الموقع الدرامي الذي كانت ستشغله مشاهد جنسية صريحة في فيلم من هذا النوع.
والغاية واحدة تقريبًا: إظهار أن شخصين وصلا إلى درجة من الثقة تسمح لكل منهما بأن يكشف ضعفه بالكامل أمام الآخر، في عالم يصبح فيه إظهار الضعف أشبه برسم هدف على ظهرك.
تتكون بعض مشاهد “The Weight” من لقطة مقربة طويلة ومتواصلة لوجه مورفي، بينما يصغي إلى حديث يجري بالقرب منه دون أن يكون طرفًا فيه، أو يجلس مستغرقًا في التفكير. والمثير أن هذه اللقطات تُعد من أكثر لحظات الفيلم تشويقًا، رغم ازدحامه بمواجهات السجون العنيفة ومغامرات الغابة. ويعود الفضل في ذلك كله إلى وجه هوك الذي تركت عليه الحياة آثارها، وإلى نظرته الصلبة التي توحي بما يدور خلفها دون أن تفصح عنه.
تتمتع مشاهد الحركة بقدر من الفاعلية كان يسمح للفيلم بالاستغناء عن كثير من اللحظات التي نرى فيها مورفي غارقًا في أفكاره. لكن هذه اللحظات تحديدًا تمنحه عمقًا تفتقر إليه أفلام حركة كثيرة، تكتفي بعرض رجال يسعون طوال الوقت إلى إثبات رجولتهم بأفعال تتصور أنها رجولية.
يدرك هوك، شأنه شأن كلينت إيستوود وكيانو ريفز في أفلام “John Wick”، أن أفضل ما يمكن للممثل فعله أمام الكاميرا أحيانًا هو الصمت، وترك وجهه يتولى مهمة الكلام.
يشكل أداؤه نقطة الارتكاز التي تستند إليها الدراما، ويمنح مشاهد الحركة إحساسًا بالواقع، مؤكدًا في كل مرحلة من المهمة أن الخطر حقيقي وأن عواقب الفشل جسيمة. وكلما بدأ الفيلم يقترب من حدود ما يمكن تصديقه، كما يحدث عندما يبتكر مورفي طريقة لتمرير سبائك الذهب بين الرجال على غرار سلسلة بشرية تتناقل دلاء الماء، متجاوزًا بذلك مشكلة الجسر الحبلي الذي لا يحتمل عبور مجموعة تحمل حقائب بهذا الوزن الهائل، يعيد هوك الأحداث إلى أرض الواقع بقوة حضوره.
منذ اللقطة الأولى، يصبح مورفي الرجل الذي نتابعه وننحاز إليه. وتمنحنا بصيرته الحادة القدرة على عبور فيلم ثقيل بالمعاني والأحداث، لكنه يحتفظ طوال الوقت بخفة الحركة.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.