The Treasure of the Sierra Madre – 1948

“Nobody puts one over on Fred C. Dobbs.”

المصدر – حين رجع جون هيوستنن من خدمته العسكرية ووجد أن همفري بوغارت بات على قدر كافٍ من النجومية البارزة ليشركه في مشروعه القادم، عمد كلاهما على اختيار فيلم يدور حول رجل فاشل ورديء السمعة أودى به جشعه إلى الجنون. صرخ بوغارت لمسمع ناقد سينمائي خارج نادِ ليلي في نيويورك: “اصبر حتى ترى فيلمي الجديد، سألعب دور أفشل رجل شاهدته بحياتك.” كان الفيلم فعلاً يتسم بالكآبة والبؤس، وألطف شخص فيه يموت وهو يحاول الدفاع عن من يحاولون قتله، ونهايته ليس حزينة كلياً لكنها مثل نكتة كبيرة تجري بعكس أحلام بطله. جاك إل. وورنر، رئيس الأستوديو الذي أرسل طاقم الفيلم إلى مواقع حية في المكسيك ثم أعادهم حين خرجت ميزانيته عن السيطرة، صرح أنه حتماً: “أفضل فيلم أنتجناه بحياتنا.”  

  (كنز سييرا مادري) الصادر في العام 1948 يحكي قصته على طريقة الروائي جوزيف كونراد، فلا يستعمل عنصر المغامرة لغرضها السطحي بل لوضع شخصياته تحت الاختبار. ويعرض جدالات أخلاقية بين رجل مسن حكيم وآخر بمنتصفه عمره مفعم بالشك يتوسطهما شاب عليه أن يختار بينهما. كما أن العمل يسرد مجرياته بحيوية بالغة وبحب هيوستن لصداقة الحميمة بين الذكور، ويلجأ لإثارة الضحك أحياناً، بعضها ظريف وبعضها تهكمي ساخر. وتقع أحداثه على أرض قاحلة من شجر البلوط العالي تحرقها أشعة الشمس، باستثناء تواجد الثلاثي المنقب عن الذهب، علماً أن عصبة من اللصوص وهنود قرويين يمرون فيها عند الحاجة. وفي النهاية، نشاهد بوغارت في مشهد هائج ومجنون يجمع ما بين مسرحية “كينغ لير” وفيلم “جشع”.

 يؤدي بوغارت دور فريد سي. دوبز، إحدى أشهر الشخصيات السينمائية. في تامبيكو العام 1925، يقابل رجلاً آخر مرتحلاً من أمريكا اسمه بوب كيرتن (تيم هولت). ويخدعهما صاحب عمل محتال يدعى مكروميك بسلبهما لأجريهما المستحقين، وعندما يحاصرانه في إحدى الحانات، يقومان بضربه ضرباً مبرحاً لدرجة يصبح بقائهما في البلدة أمراً لا فائدة منه. ويقترح عليهما المسن هوارد (وولتر هيوستن) خطوتهما التالية بعد سماعهما لحديثه حول الذهب. يظنان أن النصيحة هي موهبته الوحيدة ليس أكثر، لكنه يتمتع بقوة الماعز ويبدأ بعد ذلك بإمطارهم بالنصائح العملية حول كيفية العثور على الذهب، وهو  الأمر الهين، وعن كيفية الحفاظ عليه دون التعرض للقتل، وهو الأمر الصعب.

 ينبض قلب الفيلم عبر الجبال المنحدرة التي يفهمها عنوان العمل على عكس أبطاله؛ فهم يرون أنه “جبل” وحسب. وهم مكشوفون جداً في هذه البقعة لدرجة أن خبرة هوارد وخشونته الإسبانية هي أملهم الوحيد للنجاة. يبدؤون رحلتهم وهم أصدقاء، لكن في اللحظة التي يجدون بها الذهب، يدب الجشع في دوبز، مقترحاً عليهما أن يتم تقسيم الذهب على ثلاث حصص، وذلك في كل ليلة. ويعمل كل واحد منهم لاحقاً على إخفاء ذهبه على حدا، وبعدها هناك الليلة الطويلة التي يستيقظ بها دوبز في خيمته ويكتشف أن هوارد قد اختفى، ثم يستيقظ كيرتن ليجد أن دوبز قد فعل نفس الشيء، وأخيراً يدرك هوارد أن الدور عاد له من الجديد فلما لا يحصلون على قسط من النوم لأن عليهم العمل في الصباح.

 هذه ليست المرة الأولى التي يمر بها هوارد بهذه التجربة (“أعرف ماذا يمكن لذهب أن يفعل بروح الرجل”). وهو يؤدي دور مصلح بارع، مصغياً لاقتراحات دوبز المخبولة لأنه يعرف قلة حيلتها في نهاية المطاف: فإما يخرجون بالذهب وإما لا. إنه أداء مبهر من وولتر هيوستن – والد المخرج جون – ونال عنه جائزة أوسكار (كما حصل جون هيوستن على أوسكاري أفضل إخراج وسيناريو). استمع للطريقة السريعة التي يتحدث بها هيوستن الخبير ودون توقف، وكأنه يطلعهم على حكاية قديمة ولا يملك الوقت ليهدره على الخلافات الصغيرة. كما أنه يقوم برقصة شهيرة حين يجد الذهب، مجسداً المثال النمطي لمنقب الذهب الأشيب، لكن لاحظ كيف تتسم عينتاه بالهدوء حتى وهو يتنكر بالغباء؛ فهو يقرأ كل موقف ويعرف الخيارات ويحاول مماطلة انهيار دوبز.

 لا يوحي بوغارت بأدائه للدور عن أي أثر لنجم سينمائي، علماً أنه لم يصبح نجماً بفضل جمال وجهه. تكتب زوجته لوران بيكيل في مذكراتها أن بوغارت بدأ يخسر شعره كثيراً أثناء تصوير فيلم (الممرات المظلمة) في العام 1947، وكان أصلعاً كلياً حين وصل لمواقع تصوير هذا الفيلم. قال الأطباء أن شربه ونقس فيتامين بي لديه هما السبب بذلك؛ فساعدته حقن بي-12 على نمو شعره من جديد، لكن الرجال الثلاثة ارتدوا شعراً مستعاراً في (الكنز) وتم توسيخها وشبكها كل صباح للتعبير عن المصاعب التي تمر بها الشخصيات في ذلك اليوم.

 فرصة بوغارت الذهبية جاءت مع فيلم جين هيوستن الأول بعنوان (الصقر المالطي) في العام 1941، بعد أن رفضه جورج رافت من قبله، وهو الممثل الأكثر شهرة لدى أستوديو وورنر بروز آنذاك. ورغم قصره وصلعه والندبة على شفته، كان بمقدور بوغارت أداء دور البطل لكنه كان يحب شخصية الرجل القصير المشاكس أكثر؛ ومثال ذلك هي شخصية تشارلي أولنت التي قدمها في فيلم (الملكة الإفريقية) للمخرج هيوستن أيضاً في العام 1951. وهنا يؤدي شخصية تضمحل تدريجياً مع سير القصة، ويقضي على نفسه في النهاية بسبب خصاله وأوهامه. ومع أن هوارد ينقذ حياة دوبز بفضل خبرته الجبلية، وكيرتن يقوم بسحبه وهو غائب عن الوعي من منجم منهار، فإن دوبز لا يثق بأي مهما ولا يمانع أن يقتلهما فقط ليحصل على حصة أكبر من الذهب.

 يعتقد أنه قتل كيرتن، وفي تلك اللحظة، تنزلق قدمه نحو الجنون. غير أن المنطق المؤلم لهذا الموقف كان قد بين أن القتل هو خيار قائم في هذه الجبال دائماً. وثمة مقطع مؤثر يعرض رجلاً أمريكياً رقيقاً اسمه جيم كودي (بروس بينيت) يتعقب أثرهم حتى يصل لمكان تخييمهم، ويعرض عليهم مساعدته لقاء حصته، ويقوم بشرح الوضع لهم: إما أن يضمونه كشريك وإما يقتلونه. والمشهد الذي يصوت به ثلاثتهم لهذا الأمر يوضح تساوي القيم الأخلاقية بينهم.

 استوحي الفيلم عن رواية للكاتب بي. ترافين الغامض والأسطوري الذي يعرض الرجال ضمن أعماله وهم محشورون بخيارات شحيحة وسط الطبيعة والمواقف الخطيرة. كان ترافين معروفاً بقلة المعلومات عنه؛ فاسمه كان اسماً حركياً أدبياً، ولم يشاهد أحد شكله، ووكيل الأعمال الهوليودي بول كونير، الذي مثل كلاً من هيوستن المخرج ووالده الممثل، توكل مهام أعمال ترافين الأدبية دون حتى أن يقابله – أم أنه قابله فعلاً؟ لأن هيوستن وكونر أخبراني في السبعينات أن رجلاً هزيلاً قصيراً حضر لمواقع التصوير في المكسيك وادعى أنه وكيل أعمال ترافين. كان هذا الشخص، كما قررا، ترافين نفسه، لكنهما جاريا هذه القصة الخيالية.     

 لقد شاهدت (جزيرة سييرا مادري) عدة مرات، لكن مشاهدته مرة أخرى اليوم على الدي في دي الجديد جعلتني متسمراً كالعادة على مشاهد بوغرات الأخيرة. لم يكن مقصد العمل حول البحث عن الذهب بل عن الشخصية، وبوغارت لا يخشى أن يجعل فريد سي. دوبز رجلاً محزناً وخائفاً وأنانياً لدرجة تجعلنا نكاد نشفق عليه، لولا أنه لا يستحقها. أما الشخصيتان الثانويتان ينالان شيئاً من جزائهما عند نهاية الفيلم، لكن الجمهور لا يرضي بها كلياً. كذلك بعد أن تقوم قبيلة هندية باحتجاز هوارد، ثمة لقطة لا داعي لها، وفيها تقوم فتاة بكر قروية بلمس شاربيه، فيغمز هو مباشرة إلى الكاميرا؛ هذه اللقطة والحياة القروية الرعوية المحيط بها ينتميان في فيلم أقل جودة مما ينطوي عليه هذا الفيلم. 

 ومع نهاية قصتي هوارد وكيرتن كما هو متوقع، تدخل قصة فريد سي. دوبز لمستوىً مأساوي أكبر، فيبدأ بسماع أصوات في الليل، ويلهث في البحث عن رشفة ماء، ويترنح تحت شمس الصحراء ومعه ذهبه الغالي، وعليه يتضح أن دوبز هو البطل الضحية الذي تقوده عيبوه للانهيار. ثمة واقعية قاسية وشديدة في هذه المشاهد تمنح الفيلم عنصري الصدق والحقيقة، وتمهد لهما مناجاة شكسبيرية واضحة حين يرى دوبز بأنه مجرم ويقول: “الضمير. يا له من شيء! إن كنت تعتقد أنك تمتلكه، فسيقضي عليك، لكن إن دون ضمير، فماذا يمكنه أن يفعل بك؟” وهذا تماماً ما يكتشفه.  

IMDB

أفاتار غير معروف

لا تعليقات بعد على “The Treasure of the Sierra Madre – 1948

اترك رداً على Dr Himaإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading