مقابلة من أرشيف الناقد روجير إيبيرت مع هاياو ميازاكي
“أحب أفلامه وأدرسها، وأشاهدها حينما أبحث عن الإلهام.”
المصدر – هذا ما يقوله جون لاسيتير مخرج أفلام (حكاية لعبة) و(حياة حشرة) حول الفنان هاياو ميازاكي. ويتفق غيره من فناني الرسوم المتحركة أن الرجل الياباني الهادئ صاحب مسحة الشعر الرمادية هو أفضل مخرج كرتوني في التاريخ. فأفلامه رائعة لدرجة تجبرك على تغيير طريقة تفكيرك حيال عالم الرسوم.
إن لاسيتير من أنجح مخرجي الرسوم في هوليوود، وحرصه على تخصيص الوقت لرعاية فيلم ميازاكي (المسحورة) شخصياً كي يصدر من شركة وولت ديزني هو بمثابة تقدير منه إلى الفنان المسن. وقد اجتمع لاسيتير بميازاكي في مهرجان تورنتو عند صدور الفيلم بالعام 2001، علماً أنه أخرج النسخة الإنجليزية من الموسيقى المصورة الخاصة بالعمل.
وقال حينها: “العرض الأول للفيلم خارج اليابان كان في استوديوهات بيكسار للرسوم المتحركة، وقد ذهلت لمدى روعته. منطقة شمال أمريكا لم تنل فرصة اكتشاف أفلام ميازاكي، فهو بطل بالنسبة لمحيط الرسوم المتحركة، وهو بطلي الشخصي.”
لقد صنع ميازاكي وشريكه إساوا تكاهاتا (مخرج فيلم “قبر اليراعات”) في أستوديو “غيبلي” أعمالاً ذات عمق مبهر وفنية بديعة؛ فكان فيلمه (الأميرة مينوكي) أحد أفضل الأعمال في العام 1999، و(المسحورة) الفائز بجائزة مهرجان برلين السينمائي تخطى إيرادات فيلم (التايتنك) في شباك التذاكر الياباني وهو الأول في تجاوز حد الـ200 مليون دولار دون عرضه في صالات شمال أمريكا.
الفيلم، الذي قد يكون أفضل أفلامه، يروي قصة تجول فتاة بعمر العاشرة وذويها داخل نفق يؤدي إلى الغابات وعثورهم على مكان أشبه بحديقة ترفيهية قبل أن يتحول إلى مغامرة على شاكلة “أليس في بلاد العجائب” بالنسبة للفتاة، وهو مكان مسكون من مشعوذة وأشباح وأرواح وكرات غبار بعينتين وصبي مساعد وعامل مرجل ذو ثمانية أطراف ومخلوق نهري جبان تلوثت جثته لعقود عدة.
عندما توجهت للحديث مع ميازاكي البالغ من العمر آنذاك 62 سنة، ذكّرته بأنه في العام 1999 قال أنه قد قرر الاعتزال، لكنه أصدر فيلماً بعدها.
قال ميازاكي: “أردت الاعتزال فعلا لكن الحياة ليست بهذه السهولة. رغبت أن أصنع فيلماً يخص بنات أصدقائي، ففتحت كل الأدراج في عقلي ووجدتها كلها فارغة. فأدركت أن علي صناعة فيلم حول فتاة في العاشرة من عمرها، و”المسحورة” هو جوابي.”
يعمد الكثير من المخرجين بصنع أفلامهم حول الأطفال بعمر العاشرة ويدعون أنها “لكافة أفراد الأسرة”. بينما يقوم ميازاكي بصنع فيلم يجده الكبار مبهراً في مهرجانات برلين وتيلورايد وتورنتو، مع ادعائه أنه قد صنعه للأطفال في عمر العاشرة.
ويقول مع مساعدة المترجم أن لاسيتير “تحول إلى بلدورز بشري” كي يضمن صدور الفيلم في أمريكا: “لا أعتقد أننا سنجلس هنا لولا جهوده.”
ميازاكي الذي يرتاب من استخدام الحواسيب يرسم بيده آلافاً من الصورة: “نقوم بأخذ رسوم حاسوبية (رسمت باليد) ونرقمها من أجل تعزيز مظهرها البصري، لكن كل شيء يبدأ من رسم اليد البشرية. ونحدد اللون عن طريق الخلفية، فلا نختار اللون من الحاسوب، لأن عدم ابتكار هذه المقاييس الأساسية سيدخلنا في دوامة الحوسبة.”
ويبتسم ابتسامة عريضة: “لقد كان ذلك أمراً من القائد” وهو طبعاً الآمر الناهي.
لقد وضع معالم الرسم “ثنائي الأبعاد” ورسوم الحاسوب “ثلاثية الأبعاد”: “ما نطلق عليه ثنائي الأبعاد هو ما نرسمه على الورقة لابتكار الحركة والمساحة على قطعة من الورق. وثلاثي الأبعاد هو لابتكار المساحة داخل الحاسوب، ولا أعتقد أن العقل الياباني المبدع ينتمي للأبعاد الثلاثية.”
أخبرت ميازاكي أني أحب “الحركة الفارغة” في أفلامه؛ فبدلاً من أن تكون كل حركة مكرسة للقصة، نشاهد أحياناً أن الشخصيات تجلس في مكانها للحظة أو تتنهد أو تنظر في نهر جارٍ أو تفعل شيء زائد، لا يهدف لتمضية مجريات القصة بل لإضفاء شعور الوقت والمكان والتعريف عن أنفسهم.”
فيعلق: “لدينا كلمة لهذا الأمر في اليابان وندعوها “ما” أي الفراغ، وهي مقصودة.”
هل تساوي هذه “الكلمات المساندة” التي تفصل العبارات في الشعر الياباني؟
صفق بيده ثلاث أو أربع مرات: “لا أعتقد أنها كذلك. فالوقت الفاصل بين صفقي هو “الما”، فإن قمت بتصوير حركة متواصلة دون أي مساحة للتنفس فسيكون إشغالاً للوقت فقط. لكن إن توقفت للحظة يمكن للتوتر المبني في الفيلم أن يكبر إلى بعد أوسع. وإن كان لديك توتر متواصل حتى درجة 80 طوال الوقت فستصاب بالتخدر.”
وهذا الأمر يساعد بشرح سبب تطبع أفلام ميازاكي بالمتعة والتشويق أكثر من الأكشن شديد الحماس الموجود في الكثير من أفلام الرسوم الأمريكية. وسألته أن يسترسل بشرح هذه النقطة.
فقال: “صانعوا الأفلام يخشون الصمت، فيعملون على تغطيته وملئه مراراً. ويشعرون بالقلق أن الجمهور سيمل، وربما يخرجون من الصالة لشراء بعضاً من الفشار.”
وإن كان الفيلم متوتر بـ80% من وقته فهذا لا يعني أن الأطفال سيعطونك تركيزهم الكامل، المهم هي المشاعر الضمنية التي لا يمكنك نسيانها.
“حاولت أنا وأصدقائي منذ سبعينات القرن الماضي العمل على تهدئة الأمور قليلاً؛ أن لا نكتفي بإمطارهم بالضجيج والتسلية، والسير على طريق أحاسيس الأطفال ومشاعرهم ونحن نصنع الفيلم. فإن حافظت على المتعة والإدهاش والعاطفة فلن تحتاج للعنف والأكشن. وعليه فإن الأطفال سيتبعونك. هذا هو مبدئنا.”
وذكر أنه ضحك عند مشاهدته الكثير من الرسوم في الأفلام الحية مثل (رجل العنكبوت).
“لقد باتت الأفلام الحية بطريقة ما جزءاً من ذاك المسلسل الطويل المدعو بالرسوم، فأصبحت كلمةً تشمل الكثير من الأمور، ورسومي هي نقطة صغيرة جداً في الزاوية، أما لي فهي كبيرة.”
وهي كبيرة بالنسبة لي أيضاً.


