Rabbit Hole – 2010

“Things are not nice anymore.”

بقلم مهند الجندي.

على مقعد خشبي تحت ظلة شجرة بحديقة عامة في فيلم (جحر الأرنب) للمخرج جون كاميرون ميتشيل، تجلس بيكا مع جيسون، الفتى المراهق الذي سلب منها ومن زوجها حياة ولدهما الصغير إلى الأبد بحادث سيارة؛ فيحمل معهما ويلقيان عليه ضمنياً أتراح ثقيلة مشتركة لم تعد للكلمات المجردة قدرة كبتها أو حتى التعبير عنها أيضاً؛ كليهما يبحث عن وسيلة يغلق بها باب أحزانه، ولديه طريقته الخاصة نحو تحقيق ذلك. وبما أنها خسارة لا رجعة فيها، يستعرض الفيلم تبعات هذه الواقعة على الأب والأم والفتى، والطريقة التي يتعامل معها كل واحد منهم مع ألمه واشتياقه وذنبه، فمقولة “ما فات مات” لا تنطبق هنا.

يبدأ الفيلم وبيكا (نيكول كيدمان) تعتني بحديقتها بدقة وسعادة، ويبدو عليها التمعن الخالص في النباتات المشجرة الجميلة المنمقة جيداً، وتكاد لا تسمع جارتها وهي تنادي عليها لتدعوها على العشاء الذي تعتذر عن حضوره بحجة انشغالها المسبق، قبل أن ترافقها إلى الخارج وهي تناظر النبتة التي هرستها جارتها بقدمها بالخطأ. يبدو ظاهرياً أن علاقتها مع زوجها هاوي (آرون إيكهارت) على ما يرام وبمحبة متبادلة، بيد أن تلك الواقعة تركت فيهما الكثير من المشاعر المضنية المحبوسة التي يمكن أن تنفجر بأية لحظة. تتلقى وبيكا مكالمة هاتفية ليلية تفيد أن شقيقتها إيزي (تامي بلانشارد) محتجزة في السجن لشجارها مع إحدى الفتيات في حانة ما، فتعمل على إخراجها لتعلم لاحقاً أنها حامل لأول مرة. تحاول أن تهديها ملابس فقيدها عند زيارتها في منزل والدتهما نات (ديان ويست) لكن إيزي ترفض قبولهم لعدم راحتها لذلك. وحياة وبيكا الاجتماعية تزداد تعقيداً مع الجميع من حولها، لاسيما حالتها العصبية والنفسية مع كل ذكرى لطفلها الراحل وكل لقاء مع جيسون (مايلز تيلر) المراهق المتسبب بوفاته.

يتمكن المخرج جون كاميرون ميتشيل من تفصيل حياة الزوجين بعد ثمانية أشهر من فقدان ولديهما، وذلك من كافة النواحي الدرامية؛ من وجهة نظر كل واحد منهما تجاه الآخر وطريقة مواساته لنفسه، تعاطيهما مع الأزواج الأخرى التي فقدت أياً من أحبائهم، إلى تعاملهما المختلف مع جيسون، ناهيك عن علاقة بيكا المتوترة مع شقيقتها ووالدتها التي كانت قد فقدت ابنها أيضاً وهو بسن الثالثة عشرة، فهي تعرف معنى الخسارة، ولديها أسلوبها الخاص في العيش معها. ونتفهم بفضل السيناريو الذي اقتبسه ديفيد ليندساي-أبير عن مسرحيته  المشاعر الداخلية لكافة الأطراف بتوفيره لهم المساحة المطلوبة في سرد خلجاتهم، وكلٌ حسب ما يمليه عليه الموقف دون أن يتحول الأمر إلى نحيب مزعج أو أجوف أو مفتعل، ويبرع طاقم التمثيل بترجمة ذلك، خاصة نيكول كيدمان، حيث تصدق أنها أم حرمت من ممارسة حبها وأمومتها لولدها، وهي التي تبدو أنها بدأت تتخلص من وهج نجوميتها الذي حرمها من الإقناع في بعض من أدوارها المؤخرة؛ بأداء يعيدها إلى أوج مستواها الرفيع الذي بصمت به مع أوائل الألفية الجديدة بدءًا من فيلم (مولان روج) العام 2001.

غير أن تركيز الفيلم المطلق على هذا الخط الدرامي الأوحد يضع العمل في زاوية ضيقة تحد من طموحه وتقلل من وزنه وتمنعه من الصعود إلى مكانة أعلى فكرياً مما هو معروض على الشاشة، علماً أنه لا يدخل في دائرة المباشرة أو البساطة أو سهولة توقع الأحداث. وإن كان (جحر الأرنب) ينجح ببث روح جديدة جيدة في موضوع فقدان فلذة الكبد بوضعه المشاهد في قلب أوجاع الأبطال وعرضه أدق وأصغر اللحظات العصيبة التي تمر بها العائلة وإنصافه بوصف تعاستهم عبر الأداء أو الموقف، فإن عصب الفيلم يمكن في تلك المشاهد الحميمة التي تهمس بها الشخصيات آهاتها الحارقة المدفونة، وقصة جيسون المصورة “جحر الأرنب” والطريقة التي تنظر بها بيكا إلى جيسون حين ترى وسيلته في تخطي هذه الواقعة، وأنه كذلك يعاني من بعض المشاكل الشخصية الخاصة به، أو إلى زوجها هاوي على ذلك المقعد الواقعي المريح المؤلم بحثاً عن شيء جديد يعيد لهما حياة اختبأت طويلاً في جحر الأحزان وقرارات القدر.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading