Black Swan – 2010

“I just want to be perfect.”

بقلم مهند الجندي.

إريكا: “ماذا حل بطفلتي الرقيقة؟!”

– نينا: “لقد ولت.”

تهبط رؤوس أقدام نينا وتلتف معها دنياها قلباً وقالباً على مسرح البالية الأبيض الأسود في فيلم (البجعة السوداء) للمخرج دارين أرنوفسكي، وفيه يتحتم عليها تمثيل – بين ضربات موسيقاه – قصة لم تعرف واحدة شبيهة لها ولو بشيء بسيط في حياتها الواقعية، أن تحب وتعيش وتموت بجعة حتى بمسمات جلدها البشرية. تحاول فعل ذلك بنفسها، منغمسةً بطلب المثالية، لا إرادياً وبلا هوادة، كي تشعر في النهاية بما تطلق عليه طوال الوقت: “الكمال”. يتضح ذلك في التعريف الداكن الذي ينتهجه أرنوفسكي لكل من الإلهام الشخصي ودافع المرء صوب مبتغاه بسرده مجريات العمل من أصغر إلى أكبر حذافيره كجرعة مضاعفة وزائدة من الهلع والفزع غير المنتهيين إلا بالاستسلام الختامي المهووس لهما.

لا يغفل أرنوفسكي – عبر السيناريو الذي كتبه مارك هيمان وجون جاي. مكلافلن وأندريز هاينز اقتباساً عن قصة الأخير – أن يؤسس محور فيلمه مبكراً من صلب أحلام وعقل بطلته نينا (نتلي بورتمان)، وما تراه وتسمعه من انعكاسات وأنفاس تكاد تلتهما حيةً من كثر انشغال بالها بإتقان وصلتها كي يتم اختيارها لأداء البجعتين البيضاء والسوداء في عرض بحيرة البجع خلفاً لبيث (وينونا رايدر) والذي يصمم رقصاته توما لوروا (فينسينت غازال) وتنافسها عليه ليلي (ميلا كونيس) بشكل مباشر وغير ذلك. في المنزل، تعتني الأم إريكا (باربرا هيرشاي) بابنتها نينا جيداً وأحياناً أكثر من اللازم. ومع اقتراب موعد بدء عرض، تزداد رهبة نينا بالضغط على أعصابها ولهفتها تحبس أنفاسها لتحقق حلمها الذي قد يتطلب منها الخروج عن جلدها وفعل ما قد يودي بحياتها.

يضع المخرج المشاهد المناظر على شفرة عدسته الحادة رغماً عنه ويشق شطراً طويلاً متعرجاً في سجيته أثناء متابعته لمجريات العمل، ورغم بعض القصور في كتابة بعض الأدوار وتوظيف موسيقي فائض عن حده أحياناً في المشاهد المرعبة، إلا أن أرنوفسكي كعادته يقبض بخناق الجمهور لتحكمه الباهر على روح الفيلم ونسقه المربك والمريب والموتر فقط بتدلي الكاميرا من خلف نينا كعبء ثقيل يعيق حركتها (كما فعل سابقاً في فيلم المصارع للعام 2008)، إلى درجة أن استخدامه المكثف للقطات المقربة يشعرنا بأن الكاميرا نفسها تكاد تقتحم وجوه الشخصيات لرغبة بالدخول حتى في مسام أفكارهم وخلجات أفكارهم بتأثير سينمائي يصل إلى الأحشاء دون رجعة.

يتجلى عمق (البجعة السوداء) كمشروع أثار اهتمام صانع أفلام هو من الأكثر موهبة حالياً في نقل قصصه مشرحة من الزيف الدرامي الأمريكي المعهود قدر الإمكان باتكاله على أداء نتلي بورتمان المؤلم – والنسائي الأفضل لهذا العام – لتصف حالات معقدة من الجنون والاضطراب والخروج عن الذات في رحلتها عبر أشد الأماكن الإنسانية ظلمة لتنجز تحديات أقسى وأصعب مما كانت تتصور. وإن كان لمسها لحلمها الذي تريده قد كلفها الكثير من الكد والعرق، نلحظ أن العمل وأدوات المخرج عموماً تُبرز أهم ركائزها بما يدور خلف الحوار وأمام مشاعر الشخصيات؛ مثل زيارة نينا إلى بيث الأولى في المستشفى وكأنها تزور نفسها كذلك لكن بعد سنوات من الرقص والمجد، لسان حالها يقول أن مصيرهما واحد، وخوف نينا من هكذا نهاية يُرى في كل رقصة تقوم بها، وملامح الوجل والبؤس لا تكاد تفارقها، وحتى حين تتلقى خبر حصولها على الدور الرئيسي في بحيرة البجع، تهرع إلى الحمام لتبشر والدتها والدموع تنهمر منها بحثاً عن عزلة وسعادة محفوفة بقدر مهول من المشقة لا يعرفها أحد أكثر من والدتها.

كما أن انعطافات الكاميرا المفاجأة وتركيز أرنوفسكي على الأصابع والأرجل والأظافر وأدوات الرقص يضع مشاهديه على حافة متآكلة من الدراما الموجعة للقلب وبطابع دموي ضمني مرئي ومفهوم؛ حتى النادل الذي يقدم العشاء لنينا وليلي يقول: “Cheeseburger extra-bloody”، فما بالك بمشوار نينا إلى الكمال.

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

9 أراء حول “Black Swan – 2010

  1. احسن فيلم بالالفيه .. ومن افضل 5 افلام شفتها بحياتي ..

    اخراج اسطوري من ارنوفسكي .. الفيلم يستحق 5 اوسكار التى رشح لها ..

    وتقييمك ظالم لهذه التحفه ،،

  2. هههههههههه
    بصراحــــــــــ ـــهـــ ضيعــت ساعتين من حياتي على حاجه ماتستاهل
    الله يحرق المخرج على الفلم على هيك افلام ترفع ضغط الواحد
    من الفضااوه والفراااغ سرنا نعتبر اي شي يعملوهـــ فن

  3. ههههههههههههه
    يكفي أن تكون مواطن عربي عزيزي مهند – من أعمدة العالم الثالث الأساسية –
    لتعلم معاني كلمات مثل مهشم ومحطم ويأس ومحبط

  4. أرنفوسكي، أنه يرقص بنا على إيقاع الضعف البشري، متجاهلاً المثالية المدعية، ويظهر لنا ظلمات أنفسنا الكامنة التي لا تخرج سوى مع الرغبة الشديدة في تحقيق المبتغى.
    كعادة ذلك العبقري، انه يختار دائماً المرء المهشم المحطم – الانسان الحالي – ليرسم لنا ابشع صوره، ما حدث مع المصارع، وكيف يبيع الانسان جسده، من أجل تحقيق طموح وهمي، لن يجلب لك سوى التعاسة.
    ولا يختلف الأمر كثيراً مع بجعتنا، ولكن الأمر هنا بأبشع صوره، أن تكون المثالية أمام مبتغاك عقبة، وحلها الوحيد أن تخسرها، وتترك شرك الكامن بدخلك هو المسيطر، عندما تصل للكمال البشري السوداوي.

  5. أهلا بالأستاذ محمد 🙂 ..
    بصراحة وصفك لشخصيتي نينا وليلي رائع ودقيق فعلاً .. خاصة بحديثك حول الذروة الشخصية .. كلام ينبع من صاحب خبرة في هذا المجال النفسي .. “الذروة لا يأتي بعدها إلا السقوط” ما شاء الله جملة مبهرة حقاً ..

    والعفو من حضرتك 🙂 ..

  6. فيلم جميل جدا أعتقد أن أجمل ما فيه هو دور “ليلي”.. كل إنسان لديه “ليلي” خاصة به. البعض ينصت إليها والبعض يتجاهلها والبعض يحاربها. ليلي تصعد بالمرء إلى الذروة التي يصر دائما على التهرب منها لأنه يعرف أن الذروة لا يأتي بعدها إلا السقوط..تماما كما حصل مع نينا، التي انتهت مهمتها في الحياة بأسرها، عندما بلغت ذروتها الشخصية.
    شكرا يا مهند الجندي على هذا الاختيار، وشكرا على الصورة العلوية لأنها تلخص الفيلم بأكمله

اترك رداً على karim saadإلغاء الرد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading