حياة ألفريد هيتشكوك ومسيرته “ويكيبيديا” (الحلقة الثالثة).
غاري غرانت وإنغرد بيرغمان في Notorious لعام 1946.
-
أفلام هيتشكوك في عِقد الأربعينيات
عرفت أفلام هيتشكوك في فترة الأربعينيات تنوعاً في مواضيعها، من الكوميديا الرومانسية Mr. & Mrs. Smith لعام 1941، والدراما في قاعة المحكمة The Paradine Case لعام 1947، إلى فيلم النوار القاتم والمريب Shadow of a Doubt لعام 1943.
في سبتمبر من عام 1940، اشترت عائلة هيتشكوك عزبة كورنوول بمساحتها التي تبلغ 200 فدان، وتقع قرابة وادي سكوتس في جبال سانتا كروز. وأضحت العزبة المسكن الرئيسي لعائلة هيتشكوك إلى الأبد، دون التخلي عن منزلهم في بيل اير. وكان فيلم Suspicion لعام 1941 أول عمل يقوم هيتشكوك بإنتاجه وإخراجه بنفس الوقت. وفيه استخدم الساحل الشمالي لسانتا كروز في كاليفورنيا لتصوير مقطع الساحل الإنجليزي، وهو المرة الأولى التي يعمل بها المخرج مع الممثل غاري غرانت، وأحد أدوار الممثل القليلة التي يلعب بها دور شخصية شريرة. حصلت الممثلة جوان فونتاين على جائزتي أوسكار أفضل ممثلة وجائزة رابطة نقاد نيويورك السينمائيين عن “دورها المميز في فيلم Suspicion”. ولعب غرانت في الفيلم شخصية “زوج مبالِ أثارت أفعاله شكوك وريبة زوجته (فونتاين)”. وقد استخدم هيتشكوك، في مشهد لا يُنسى حسب رأي النقاد، ضوء لمبة للتركيز على ما يدو كأس قاتل من الحليب يحضره غرانت لزوجته. في الكتاب الذي يستند عليه الفيلم (Before the Fact بقلم فرانسس إليس)، شخصية غرانت تصفه بأنه قاتل، بيد أن هيتشكوك والأستوديو رأوا بأن نهاية الكتاب قد تفسد صورة غرانت، وعليه رضي هيتشكوك بتصوير نهاية غامضة مفتوحة، مع أن النهاية بجريمة قتل كانت ستناسبه أكثر، هذا ما قاله للمخرج فرانسوا تروفو في مقابلتهما.
فيلم Saboteur لعام 1942 كان الأول من عملين أخرجهما هيتشكوك لصالح شركة يونيفيرسال، الأستوديو الذي استمر بالعمل فيه خلال سنواته اللاحقة. وتم إرغام هيتشكوك آنذاك على توظيف ممثلان متعاقدان مع شركة يونيفيرسال وهما روبيرت كامينغز وبيرسيلا لاين، وكلاهما معروف بأعماله الكوميدية والدرامية الخفيفة. وقد كسر هيتشكوك تقاليد هوليودية في ذلك الوقت بإكثاره التصوير في المواقع الحية، خاصة في نيويورك، وعمد على تقديم مواجهة بين مخرب متهم (كامينغز) ومخرب حقيقي (نورمان للويد) على قمة تمثال الحرية.
فيلم Shadow of a Doubt لعام 1943 هو العمل المفضل عند هيتشكوك من بين جميع أفلامه، والثاني من بين تعامله الأول مع شركة يونيفيرسال، ويدور حول فتاة شابة اسمها تشارلوت “تشارلي” نيوتن (تيريسا رايت) تشك بأن يكون خالها الذي تحبه تشارلي أوكلي (جوزيف كوتن) مرتكب لجرائم متسلسلة. قال النقاد أن الفيلم باستخدامه لشخصيات تتشارك ببعض الصفات وحواره ولقطاته المقربة، قد وفر احتمالات تحليلية نفسية لجيل من أصحاب النظريات السينمائية، ومنهم جاك لاخان وسلافوي شيجيك. وكرر هيتشكوك التصوير بكثرة في المواقع حية، وهذه المرة في سانتا روزا، شمال كاليفورنيا، خلال صيف عام 1942. وفيه استعرض المخرج تعلقه الشخصي بموضوعي الجريمة والمجرمين، حيث صور شخصان وهما يناقشان أساليب قتل الناس، الأمر الذي يزعج تشارلوت للغاية.
اقتبس هيتشكوك بالتعاون مع شركة 20th Century سيناريو عن الكاتب جون ستاينبك يؤرخ فيه تجربة الناجين من هجوم شُن على سفينة حربية ألمانية في الفيلم Lifeboat لعام 1944. وتم تصوير مشاهد القتال على متن سفينة صغيرة، وحجم المكان تسبب بصعوبة ظهور هيتشكوك الهامشي السريع والمعتاد في أفلامه. قبل أن يُحل الأمر بظهور صورة هيتشكوك في صحفية يقرأها ويليام بيندكس في السفينة، حيث يظهر المخرج قبل وبعد إعلان حول “القضاء على السمنة”. بينما وأثناء عمله مع شركة فوكس، كان هيتشكوك يُفكر جدياً بإخراج النسخة السينمائية من رواية اي. جاي. كرونين حول كاهن كاثوليكي في الصين واسمها The Keys of the Kingdom، لكن المشروع لم يعرف النور. وانتقل العمل ليُخرجه جون إم. ستال عام 1944، وأنتجه جوزيف إل. مانكيفيتس، وقام جريغوري بيك ببطولته إلى جانب نجوم آخرين.
وإثر عودته من إنجلترا بعد زيادة مطولة ما بين أواخر عام 1943 إلى أوائل 1949، صنع هيتشكوك فيلمين قصيرين لصالح وزارة الإعلام، وهما Bon Voyage وAventure Malgache. العملان اللذان صنعهما عن الجنود الفرنسيين الأحرار، هما الوحيدين الناطقين باللغة الفرنسية طوال مسيرته، وبـ”لمسات هيتشكوك المعتادة”. وقامت قناة تيرنر كلاسيك موفيز في تسعينيات القرن الماضي بعرض هاذين الفيلمين، وأصدرتهما على أشرطة الفيديو.
Lifeboat
وعمل هيتشكوك في عام 1945 “مستشاراً إدارياً” (أو محرر سينمائي) ضمن فيلم وثائقي عن الهوليكوست أنتجه الجيش البريطاني. الفيلم الذي عرض تحرير معسكرات الاعتقال النازية، بقي دون أي إصدار حتى عام 1985، وأتمت شركة PBS Frontline إعداده ووزعته بعنوان Memory of the Camps.
عمل هيتشكوك لحساب سيلزنيك مرة أخرى بإخراجه فيلم Spellbound، مما يوضح رواج موضوع التحليل النفسي آنذاك، وفيه يعرض مقطع لحلم صممه الرسام سالفادور دالي. لعب غريغوري بيك دور الدكتور أنثوني إدواردز الذي يعاني من فقدان في الذاكرة وتعالجه الطبيبة النفسانية بيترسون (إنغريد بيرغمان)، التي تقع بحبه وهي تحاول تفسير ماضيه المكبوت. مقطع الحلم الذي ظهر في الفيلم هو في الحقيقة أقصر مما كان مخطط له بالأصل، حيث كان من المفترض أن يزيد عدة دقائق، لكنه اتضح أنه سيكون مربك أكثر من اللازم للجمهور. وقد قام الموسيقي ميكلوس روزسا الذي وضع الموسيقى الأصلية للفيلم (وفيها استخدم آلة الذيرمين القديمة) باقتباس بعض النوتات منها لضمها في حفل كونشرتو على آلة البيانو.
جاء فيلم Notorious عام 1946 بعد Spellbound. وذكر هيتشكوك في مقابلته المطولة الصادرة على شكل كتاب مع فرنسوا تروفو، أن سيلزنيك باع خدماته الإخراجية والبطلين (غرانت وبيرغمان) والسيناريو (بقلم بين هيت) إلى شركة RKO Radio Pictures كحزمة واحدة مقابل 500,000 دولار أمريكي جراء التكاليف الزائدة لفيلم آخر من إنتاجه بعنوان Duel in the Sun لعام 1946. ولعب بطولة فيلم Notorious ممثلان اعتاد هيتشكوك التعامل معهما وهما إنغرد بيرغمان وغاري غرانت، واحتوى على حبكة تدور حول النازية واليورانيوم وشمال أمريكا. حقق الفيلم نجاحاً تجارياً كبيراً وحافظ على مكانته كأحد أنجح مشاريع هيتشكوك الفنية. تسبب استخدامه موضوع اليورانيوم كأحد عناصر القصة لبقاء هيتشكوك تحت مراقبة أمن الاستخبارات الأمريكية. وينوه مكغلين أن هيتشكوك استشار الدكتور روبيرت ميليكان من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا حول تطور صناعة القنبلة النووية. أما سيلزنيك فاشتكى أن الفكرة كانت “خيالية علمية” وحسب قبل صدور التقارير الإخبارية حول انفجار القنبلتين النوويتين في هيروشيما وناكازاي باليابان في أغسطس عام 1945.
بعد إتمامه آخر فيلم له تحت إدارة المنتج سيلزنيك بعنوان The Paradine Case (دراما تدور أحداثها في المحكمة رأى النقاد أنها خسرت قوتها لطولها الواضح واستنفذاها ما تملكه من أفكار)، صور هيتشكوك أول أفلامه الملونة باسم Rope لعام 1948. وفيه قام المخرج بتجربة التشويق المرتب ضمن مكان ضيق، كما سبق وفعل في فيلم Lifeboat لعام 1943. كما عمد على أخذ لقطات طويلة استثنائية – بلغ طول الواحدة عشر دقائق. لعب جيمس ستيوارت بطولة الفيلم، وهو كان أول تعامل له مع المخرج من بين أربعة أفلام. استند الفيلم على قضية ليوبولد وليوب التي وقعت في عشرينيات القرن الماضي. وتمكن هيتشكوك بطريقة ما أن يحرك الكاميرا الملونة الضخمة والثقيلة في أرجاء موقع التصوير وهي تلاحق مجريات القصة بلقطاتها الطويلة.
فيلم Under Capricorn لعام 1949 والذي يدور في أستراليا القرن التاسع عشر، استخدم كذلك نفس التقنية في تصوير مشاهد طويلة، لكن بدرجة أقل. قام هيتشكوك باستخدام التقنية الملونة مرة أخرى في هذا العمل، ثم عاد لأفلام الأبيض والأسود في مجموعة من الأعمال. كما أنشئ هيتشكوك شركة إنتاج مع سيدني برينستن لصناعة فيلمي Rope وUnder Capricorn باسم Transatlantic Pictures، لكنها توقفت عن العمل بعد فشل الفيلمين. وبعدها استمر هيتشكوك بإنتاج أفلامه حتى نهاية مسيرته.

