The Hurt Locker – 2009
“.War is a drug”
القنبلة: سلاح متفجر يُسفر عن دوي عنيف مفاجئ، ويُزرع بالقرب من هدف معين أو آلة موقوتة أو وسائل أخرى.
ثمة علاقة متبادلة وموقوتة تربط الرقيب ويليام جيمس بأسلاك القنابل التي يبطل مفعولها في فيلم (خزنة العذاب) للمخرجة كاثرين بيغلو، فهو يعاين تحديه الحاضر أمامه كأنه امتحان حفظ وتمرن على أسئلته في حروب جمة، وانسيابية أو زلة حلوله ستحدد معالم مستقبله عن تشوهها. يضع الرقيب في عين الاعتبار أن فرص فشله بنزع فتيل القنبلة ليست ضئيلة بالرغم من تمرسه على هذه الصنعة لأمد طويل، بيد أن هذا المفصل الأحمر النحيل الذي يقف بين حياته أو موته هو الشيء الوحيد الذي بات يوفر له جرعة الأمان والوجهة اليتيمة اللتان يسير نحوهما معصب العينين، وهما أيضاً النشوة القصوى التي تسترضي حربه الداخلية إلى سلام مفتعل.
في كل مرة يفصل فيها الرقيب سلك جديد، تفصل القنبلة بدورها في روحه شريان عصبي إلى أن تحول بذاته وكيانه وذهنه إلى أحد أسلاك هذه القنبلة، وهي الطريقة المثلى لإسكات رغبته المستسلمة لمخدر يتجرع به يدعى الحرب وإبطال القنابل، علماً أن المخدر هو مادة كيميائية تؤدي إلى الإدمان والهلوسة وتؤثر على الجهاز العصبي المركزي، وتستخدم على نحو غير طبي للحصول على تأثيرات شخصية معينة أو على الإدراك والسلوك؛ و(خزنة العذاب) يفجر حقيقة عدم وجود أي شيء طبي حول إبطال مفعول القنابل في نفسية الجنود.
تفيد التقارير أن (خزنة العذاب) الذي تم تصويره في الأردن على مقربة من الحدود العراقية بتكلفة 11 مليون دولار أمريكي، قد صدر لأول مرة بشكل محدود في الولايات المتحدة بتاريخ 26 يونيو من عام 2009 في نيويورك ولوس أنجلوس، قبل أن يعرف الفيلم انتشار أوسع في 24 يوليو 2009. وكان الفيلم قد عُرض في مهرجاني البندقية الإيطالي وتورنتو السينمائيين الدوليين في عام 2008، حيث تولت شركة “ساميت” مهام توزيعه محلياً، ومع ازدياد نسبة مشاهدته، حظي الفيلم على استحسان كبير من النقاد وفاز بعدة جوائز مختلفة.
يستند الفيلم على الأحداث التي قام بتغطيتها مارك بول في العراق، وهو صحفي حر عمل عن قرب إلى جانب فرقة أمريكية لإبطال مفعول القنابل في العراق. وقد رافق بول أعضاء الفرقة في ذلك الوقت من 10 إلى 15 مرة يومياً ليتتبع تنفيذ مهماتهم، وعمد على التواصل مع المخرجة كاثرين بيغلو وإطلاعها عن تجربته ويومياته، فهي كانت على اهتمام بعمله الروائي السابق (في وادي الإله). يقول مارك أن الهدف يمكن في “صنع أول فيلم ينقل فحوى حرب العراق فعلياً ليوضح معاناة الجنود هناك. لقد أردنا أن نصور الوقائع التي لا يراها المشاهد على قناة الـCNN، ولا أقصد ذلك بطريقة رقابية أو تآمرية، كل ما أقوله هو أن الأخبار لا تعرض صوراً حول وحدات الجنود المميزين فعلاً“.
نقرأ هذه الرسالة بطريقة أكثر مجازية مع بداية الأحداث مباشرة من خلال الجملة التي يقتبسها الفيلم عن لسان كريس هيدجيز، وهو مراسل وكاتب سياسي أمريكي شهير آخر، ومتخصص في السياسات والمجتمعات الأمريكية والشرق أوسطية، والجملة تقول “إن ذروة المعركة عادة ما تسبب إدمان فعال وقاتل، لأن الحرب أشبه بالمخدر”. نتعرف بعد ذلك على الرقيبين مات تومسون (غاي بيرس) وجي. تي سانبورن (أنثوني ماكي) والمتخصص إلدردج (بريان جراغثي) خلال محاولتهم إزالة قنبلة بواسطة رجل آلي، لكن تومسون يضطر للتعامل مع المسألة بنفسه عندما تُنزع إحدى عجلات العربة التي كان من المفترض أن تتخلص من القنبلة بعيداً عن الأحياء السكنية. يرتدي مات معداته وسترته الخاصة ويسير بخطى محسوبة وكأنه أصبح في كوكب آخر بعيد، إلا أن طريق عودته لن يكون كما يتمنى، فقد عزف له أحد الأشخاص لحن واجبه الأخير باتصال هاتفي واحد.
البديل لهذا القائد والتقني البارع هو الرقيب ويليام جيمس (جيرمي رينر) القادم من الخدمة في أفغانستان. يتلقى جيمس ترحيباً واقعياً سرعان ما يصف له الانطباع السائد حول نفسية الجنود الذين يعملون في العراق، حيث يقول المتخصص إلدردج “بيت القصد هو الآتي: طالما أنت في العراق، إذن أنت ميت”. يعمل الثلاثي الآن ضمن فرقة نزع القنابل في معسكر “فيكتوري” وهم من جنود سرية “برافو” ومهمتهم الجديدة هي مناوبة مدتها 38 يوم، وتتطلب مسح الأراضي التي يُبلغ عن وجود قنابل فعالة فيها ومن ثم إبطال مفعولها. تختلف منهجية عمل الرقيب ويليام عن سابقه بأنه يفضل حل مسألة القنبلة شخصياً دون الاستعانة بالرجل الآلي أولاً، نراه يدخن سيجارته ويقول ببساطة “سأتولى الأمر”، ولا يكترث بتعليق زميله سانبورن “لا تتحمس كثيراً، إنه يومك الأول” والابتسامة تكاد لا تفارق وجه الرقيب الذي يباشر عمله وكأنه في طريقه لقضاءِ وقتٍ ممتع.
يجسد (خزنة العذاب) بواسطة كاميراته المحمولة وتصويره الموتر فكرة “الفوضى” التي تعم الأجواء في العراق، وأن لا أحد يعلم “بالضبط” كيف تسير الأمور العسكرية والحياة اليومية هناك. نلاحظ أن الفيلم يركز بذكاء على نسبة الوعي المتزايدة عند الجنود الأمريكيين حول فداحة وخطورة المهمات التي توكل لهم، ويتعامل مع موضوعي الفدائية والوطنية الذين نُفخت بها الكثير من الأفلام الحربية الأمريكية السابقة بأسلوب أكثر واقعية وعقلانية؛ فلا أحد من الجنود في هذه القصة يستطيع فعلياً الوثوق بالمعدات والآلات المتاحة كي توفر لهم الحماية ولا بسكان المدينة طبعاً، وأحياناً لا يثق أحدهم بالآخر، بل بات كل واحد منهم إما يفكر بنجاة روحه في هذا اليوم أو التلذذ الأعمى بموهبته الفذة وما يبرع به أكثر من أي شخص فحسب.
كما أن الحوار الذي يدور بين أعضاء الفرقة الثلاثي أو مع من يقابلونهم سواء من الأمريكيين أو العراقيين يوضح وجهات النظر المختلفة حول قيمة الحرب وأهميتها وحيثيات التعامل معها، منهم من يراها ممتعة وآخرون يرونها تهوراً وغيرهم من يجد فيها الملجأ الوحيد للراحة والتميز. تشعر مع مضي مجريات الفيلم أن مسألة خوض حرب جديدة أضحت أمراً أقل بساطة وسهولة من أن تسأل حول سبب هذه الحرب وأطراف نزاعها؛ فما جدوى السؤال وأنت جندي مأمور.
لماذا يقاتل الجنود؟ تكمن إحدى الإجابات على هذا السؤال في كلمة جندي أو“soldier” نفسها. فحسب أحد المعاجم، تم تسجيل أول ظهور فعلي للكلمة حوالي العام 1300، وقد دخلت على اللغة الإنجليزية في العصور الوسطى على شكل“soudier” وهي مأخوذة من الكلمة الفرنسية القديمة“soudoior” والأنجلو-نورمان “soudeour”. واستخدمت الكلمة ذات الأصل الفرنسي القديم لأول مرة في القرن الثاني عشر، وهي مشتقة من “sol” أو “soud” كلمة فرنسية تعني “دانق – sou” بالحديثة، و هي عملة فرنسية قديمة. وفي الوقت الحالي لم يعد هنالك عملة تدعى الدانق، و لكن المعنى ينبهنا/يدلنا إلى حقيقة أن للمال علاقة بالمعنى. وفي الواقع، فإن كلمةsol” ” بالفرنسية القديمة تشير إلى العملة وهي تعني أيضا “الدفع”. وكلمة“soudoior” كانت تشير إلى الشخص الذي يحارب مقابل الأجر. وقد كان هذا المفهوم يعبر عن الحقيقة في حقبة كان فيها الرجال لا يقومون بالقتال من أجل المال ولكن قاموا بذلك خدمة للإقطاعيين الأرفع منزلة منهم. و عليه، فإن كلمة جندي موازية لكلمة “مرتزقة – mercenary” والتي ترجع إلى الكلمة اللاتينية “merc nn rius” المشتقة من “merc s” أو “دفع” وتعني “العمل مقابل أجر”. ويمكن أيضاً استخدام الكلمة كاسم، وأحد معانيها هو “الجندي المرتزق”.
ومن هنا يؤكد الفيلم نواياه بأن لا يكون حول الحرب العراقية بقدر ما هو عن منهجية الجندي المتميز في عمله، والدوافع التي تقوده وتشحن نفسيته لممارسة هذا العمل الخطير. هذه المعاني القديمة والأصول اللغوية التي تفسر بناء كلمة جندي تعطي تلميحاً جدير بالاهتمام حول الخلفية المادية التي ينبعث منها الجندي والأرضية المستقبلية التي يسعى الوصول إليها. أسلوب عمل الرقيب جيمس يوحي أنك إذا أردت العمل على مقربة من عدوك وامتحانك المميت، ونعني هنا القنابل، فالسر هو أن لا تفكر بها على هذه الصورة، إذ يجب أن تراوغها وتدرسها وأن تمتاز بالهدوء والتركيز والصبر كي تجد المفتاح الصحيح لإبطال مفعول القنبلة. نشاهد الرقيب يستمع ويردد موسيقى الروك قبل وأثناء عمله، فهو لا يريد أن يفقد حماسته ونسبة الأدرينالين التي يكتسبها من نزع القنابل. انظر في وجه القنبلة كي تُعلن عن نفسك أهلاً لهذا النزال.
تحاول المخرجة كاثرين بيغلو قدر المستطاع أن تسلط الضوء على تفاصيل عمل الجنود وتطور وتولف العلاقة ما بينهم. نشعر بذلك جلياً في أحد أفضل مشاهد الفيلم، عندما ينفذ الرصاص من قناصة الرقيب سانبورن ويشرع إلدردج في البحث عنها داخل سترة أحد الجنود القتلى الملطخة بالدماء، بيد أنها لا تجدي سانبورن نفعاً لأن الدم قد ألصق الرصاص مع بعضه ولا يمكن الاستفادة منه، عندها يتحتم على المتخصص أن ينظف الذخيرة بالبصق والفرك، وكذلك اللقطة التي يطلب فيها الرقيب جيمس من المتخصص أن يجد لهما علبتي عصير، ومن ثم يحاول أن يفتحها لكن تيبس أصابعه لا يساعده، قبل أن يتمكن من ذلك ويفضل تقديمها للرقيب سانبورن، وهي المبادرة التي ستغير علاقتهما المتوترة إلى الأبد (لاحظ أن المتخصص إلدردج وجد علبتي عصير في الحقيبة لكنه فضل إبقاء واحدة لنفسه وتقديم واحدة لهم). الفيلم يودي بحياة أشهر ممثليه وكأنها دلالة على منطقية الأحداث وأن لا مكان فيه لبهرجة هوليوود المبالغ فيها، ونسمع الرقيب يختتم تبادل إطلاق النار بالقول “شكرا على المشاركة في اللعب”.
ينقل لنا (خزنة العذاب) وجهة نظر صانعيه حول أبطال أمريكان ماهرين ويرسم لنا صورة تقليدية حول شخصية عدوهم العراقي (سذاجة وجهل السينما الأمريكية في عرض اختلاف الحضارات)، إلا أن الفيلم على الأقل لا يدعي الكثير ولا يرمي افتراضات أو افتراءات واهية تجاه الحرب الأمريكية أو المجتمع العراقي ومقاتليه. تتبلور غاية الفيلم في علاقة الرقيب جيمس مع صبي صغير يبيعه الأفلام ويُطلق على نفسه اسم “بيكهام”، ولأننا نعلم في مشهد أسبق أن ويليام شبه منفصل عن زوجته ويحن لابنه الذي يبعد عنه مسافة تبلغ قارات بأكملها، وبالتالي عندما تحوم الشكوك حول وقوع هذا الصبي كضحية لوحشية البعض، يقرر الرقيب لعب دور الأب وتقصي خبايا موته.
نتأكد من هذه النقطة بفضل المناجاة الأخيرة التي تثير فضول سانبورن حول السبب الذي يدفع جيمس إلى المجازفة بحياته من أجل إبطال مفعول القنابل، الرقيب سانبورن الذي يعترف أنه لا يزال غير مستعد لمواجهة الموت لا يتلقى أية إجابة شافية من جيمس، وكأن الرقيب بات عاجزاً عن النطق؛ إن مخاطرته مجردة من الإخلاص للواجب أو الاستسلام للأوامر، بل هو إذعان جبري وهوان قصري للشيء الأوحد الذي يتمتع بالسلطة المطلقة فيه، فإبطال القنابل هو حب حياة الرقيب ويليام جيمس، وثمة قنبلة موقوتة في عقله لا تكف عن الطنين والعد التنازلي. كيف لا وهو لا يتمكن حتى من التسوق مع زوجته جنباً إلى جنب، يتمنى جيمس أن يتفهم ابنه يوماً ما هذه المعضلة وأن يعذر إدمانه على حرفته وحربه الشخصية.



