(تعلمتُ أن الناس قد ينسون لك ما قد قلتَ, ينسون لك ما قد فعلتَ, إلا أنهم لا ينسون مطلقاً أيّما شعور جعلتهم يحسّون)
مايا أنجيلو – كاتبة
هي القلوب تتكلم, ترفض أن تتحول قصص عشقها إلى تراب دفين, تلملم الآمال المبعثرة. فإن اختار القدر لها أن تصل إلى طريق مسدود وضعت الملح على الجرح وأكملت طريقها.. تكمل طريقها نحو النهاية المسدودة لأنها تعلم أن لا حاجز يمنع الحب من الاستمرار, بل حتى الزمن نفسه غير قادر على وقفه, إنه أحد الأشياء التي شئنا أم أبينا تتدفق نحو اتجاه واحد.. قد يتأفف البعض من فلسفة العشق التي أطرحها, لكنني أتحدى أي رجل أحب بعمق أن ينسى كل شيء عن امرأة أحبها, أن يفقد ذاكرة هيامه لها, أن يندثر اسمها من قاموس أشخاصه, أن لا يشعر ببعض الحنين (أو الأسى) كلما مرت على باله أو لمحها على غير ميعاد. وأتحدى كل فتاة عرفت بالفعل معنى الحب أن تنسى اللون الذي يحبه من تعشقه, أو العطر الذي يهواه.. أو لهفتها لسماع أخباره, لصوته, لكلمة “أحبك”, لهدية عابرة من دون سبب. أفهمُ أن هناك مرضاً يجتاح عصرنا اسمه (تصلب القلوب).. لكنني لا أتحدث “لا إلى” و”لا عن” هؤلاء المرضى به, أتحدث عن الحب كقيمة وجود.. بصرف النظر عن الحالات الكثيرة التي نسمع عنها أو حتى نشاهدها على الشاشات جاعلة منا نفقد فطرة الحب الحقيقية, ومظهرة الناس ضيوفاً في قاطرة الزمن يدخل من يشاء ويخرج من شاء بلا أي تأثير في القلوب والنفوس, فأصبح العقل في هذا الزمن يقتضي ألا نرتهن حياتنا لشخص.. وعليه فأعراض (تصلب القلوب) هي الجفاء وانعدام الوفاء والهروب من الألم ورخص العلاقات الإنسانية.. ففي أي الطرفين تودّ أن تكون؟.. ذلك شأنك فاختر ما شئت.. فلطالما كنتُ شخصياً أقول “أن جل ما أبعدنا عن الفطرة الصحيحة كان للأسف من اختيارنا”.
في فيلم (زهرة عباد الشمس – I girasoli) تيار معاكس لما هو شائع.. الحب هنا ميثاق عميق لا يتجاوز الزمن وحسب.. بل يكبر حتى على الموت عابراً نحو الخلود. لا نتحدث عن أسطورة عاطفية تتحول إلى لغة من الاتصال الفيزيائي الذي يرهق الصورة بمشاهد “ساخنة”, نتحدث عن كيمياء الحب, عن الإيمان بالحب, عن عدم انتهاء الحب, عن شيء يخرج من الروح إلى الروح, فيعصى على الموت والتعقيدات, ويسمو بعنفوانه على الألم والفراق…
Sunflower – 1970 .. الحب خالد, والعمر فانٍ..
عند التحدث عن عملاق بحجم Vittorio De Sica في السينما الدرامية الإيطالية, تحتار ولا شك ماذا ستقول عنه كمخرج قائد لحركة الواقعية الجديدة مع أوسكارياته الأربعة الشهيرة, ومن البيديهي أن أوسكاريه الفخريين عن فيلمي Sciuscià وLadri di biciclette لا يجعل منهما أقل أهمية على من الأفلام الفائزة رسمياً ضمن الترشيح فهما الآن رمزان من رموز كلاسيكيات السينما. من جهة ثانية ومن سخرية القدر أن De Seca وهو من أكثر المخرجين الطليان عظمة وتأثيراً قد حصل على ترشيح وحيد لجوائز الأكاديمية كممثل عام 1957 بل أن تمثيله في ذلك الفيلم A Farewell to Arms كان برأي النقاد أهم ما في الفيلم نفسه أما بالعودة إلى حياته الشخصية فسنجد ربما بعض الخلفية الواقعية التي طبعت بهذا أعماله فقد ولد فقيراً, وحمل حلماً في أن يصبح شخصاً هاماً وثرياً.. الأمر الذي حمله على إدمان المقامرات وخسارة الكثير من أمواله دونما طائل. وصحيح أن فيلم اليوم هو واحد من أواخر أفلامه, إلا أن التاريخ يؤكد أن Vittorio كان ناشطاً جداً في الفترة الأخيرة له قبل مماته حيث قدم في ذلك العام وحده ثلاثة أفلام. ومن الواضح أنه كان ينظر فيه إلى الحب فيه كقيمة واقعية أعمق من قصص العشق المملة ذات النهايات “العربية” أو التراجيدية.. وهذا –إن دل على شيء- فقد دل أنه أراد أن يتناول الحب بواقعه لا الحب الروائي المحض.
الحب قدر.. أم خيار..
كثيراً ما ارتبطت بـ Sophia Loren بأحاديث عن المرأة الجميلة المفعمة بالإثارة والجرأة.. ولكن على ما يبدو فإن السينما الأمريكية لم تقدم لهذه الجميلة (وقتها) ذات العينين الساحرتين شيئاً يذكر.. ويبدو أن إيطاليا فهمتها بدرجات أكثر تقدماً وعمقاً.. Giovanna تلك الفتاة التي تظاهرت في بداية الفيلم أنها كانت مجرد نزوة عابرة في حياة الجندي Antonio (الذي قام بدوره Marcello Mastroianni) كانت أكثر من مجرد عاشقة وزوجة. يبدأ الفيلم بصور رائعة عن حقول نبتة عباد الشمس حيث أزهارها الكبيرة المتمايلة التي يحكمها قدرها أن تدير وجهها على الدوام للشمس وتحني رأسها ساجدة لها وملاحقة لها إينما كانت, حالمةً بالوصل معها ولكن “أين الثرى من الثريا”.. مع هذه الصور وفي ذات الوقت تنطلق تلك الموسيقى العميقة التي تثير الأحاسيس وتمهد لنا دخولنا إلى حكاية عاطفية ليست كغيرها. يصبح فيه المعشوق معبوداً, وترفض القلوب النسيان رغم استحالة الوصال. هي أوركسترا عملاقة يقودها De Sica جاعلاً من ذكريات الحرب لا تأخذ فقط المنحى الإنساني والمدني وحسب, سامحاً لها أن تتسلل بعنف لتخطف منا الأحباء وتتطاول على أسمى العواطف فيما بين البشر وتاركة جروحاً باردة يستحيل اندمالها.
منذ المشهد الأول نشعر بحب Giovanna الكبير لـAntonio .. فهي أتت باحثة عنه في السجلات العسكرية للمفقودين خلال الحرب العالمية الثانية بعد انتهائها, رافضة بنبرة كلها عصبية وإيمان أن يكون زوجها قد مات.. ثم فوراً يبدأ الفلاش-باك الذكي ليخبرنا ملامح القصة الغرامية التي كانت حمقاء ومثيرة في أكثر مراحلها, وأصبحت سوداء في آخرها.. حيث هناك Giovanna تجلس إلى المائدة بثوبها الأسود ناظرة في صورة زوجها المفقود على الحائط, وكأنها تدعوه لمشاركتها الطعام… مستذكرة لقطات تواصلهما الأول الفكاهي على شاطئ البحر مع غروب الشمس وزوارق الصيد المتوسطية, في ذلك المكان الذي أعلنت له فيه رغبتها في أن يبقى حبيبها العسكري معها ولا يذهب للحرب من جديد ولو حتى لمدة إجازة الزفاف البالغة 12 يوماً ليرتاح من القتال لعل الحرب خلال هذه المدة.
وإن كان حلم Giovanna بالزواج من Antonio والمكوث معه تلك المدة قد تحقق في ظل جملة من المواقف الكوميدية التي تسعد حياة حبيبين أول زواجهما, إلا أن الكابوس الأهم استمر, فالحرب جاثمة بمقتها على البلاد, والزوج حديث العهد عليه أن يرتحل من جديد إلى الجبهة. وإنه من الطرافة بمكان أن نرى تلك المحاولة المضحكة المبكية التي قام بها الزوجان لإيهام القيمين على الخدمة العسكرية أن Antonio قد فقد عقله وبالتالي لم يعد مؤهلاً للذهاب إلى الحرب من جديد. ولكن هيهات أن تمر مثل هذه الكذبة الحلم, فلقاء واحد بين العاشقين ضمن مصح الأمراض العقلية كان كفيلاً ليس بإضعاف الشبهة, بل بنسفها تماماً وكلياً.. الأمر الذي جعل من الزوج المتظاهر بالجنون مجبراً على الرحيل إلى الجبهة الروسية, وما أدراك ما الجبهة الروسية.. برد, وثلج, وموت…
أبدع De Sica في تجسيد معاناة الجنود تحت الثلج.. فكانت صورتهم قاطعين الجرود البيض بأحذيتهم العسكرية ثقيلة كأننا كمشاهدين نشعر بثقل تلك الأحذية, نشاركهم الإحساس بالتجمد, ومن ثم نشفق على من يسقط منهم صريع قسوة تلك البلاد. هذا حال Antonio الذي أضفه البرد والوهن فأرداه جسداً على شفا الموت.
وانتهت الحرب, ولم تقتنع Giovanna بأن زوجها قد مات, أصرت على أن تذهب لتبحث عنه هناك في الدولة عدوة الأمس.. جابت الحقول التي كانت في الشتاء بيضاء متجمدة, وجعلها الصيف مكسوة بخضرة نبات “عباد الشمس”.. بحثت في كل مكان وسمعت الكثير من الحكايات, شاهدت مقابر عملاقة مترامية الأطراف تخص جنوداً ماتوا من غضب الطبيعة في تلك المروج. لكنها كانت تصر أنه لا جثمان لـ Antonioفيما بينهم.. رفعت صوتها أنها تحبه وأنها تثق بأنه لم يمت.. فقالوا لها أنه تحت كل نبتة عباد شمس في هذه المروج حكاية حب قتلى أو ضائعة.. ارتحلت باحثة عن كل شخص يشبه الإيطاليين في روسيا.. وإيمانها بأن الحب أقوى من الموت كان يرغمها على عدم التنازل عن قضيتها.. Antonio حي..
إيمان Giovanna العميق لم يذهب سدى.. نعم .. Antonio حي.. ولكنه الآن ما عاد ملكاً لها.. فقد أنقذته حسناء روسية من الموت فاقداً الذاكرة.. الآن هو لديه أسرة وطفلة, وأصبحت Giovanna دخيلة عليه’ بل إنه بالكاد تذكرها, فانقطعت الرحلة الروسية, وهربت العاشقة المكسورة إلى بلدها محاولة أن لا تخرب على محبوبها حياته الجديدة. عادت فاقدة الأمل, وبدأت ردة الفعل السلبية تجتاحها.. فهذا ليس Antonio.. قطّعت صوره, وحاولت نسيانه. وبحثت عن أسرع بديل ممكن يخرجها مما فيها. ولم تفكر أن Antonio هو Antonio وأنه تذكرها ولن ينساها, حيث عمل المستحيل ليعود إلى إيطاليا ويبحث عنها في كل مكان إلى أن استطاع أن يعرف إلى أين انتقلت.. ولكن تأخرت كثيراً يا Antonio فـ Giovannaهي الأخرى الآن شقت حياة جديدة, وأصبح لديها زوج وطفل, وهل تعلم ما هو اسم طفلها؟ إنه Antonio كذلك..
ليحل المشهد الأخير في صراع مؤثر بين الواقع والمشاعر.. فالمشاعر لم ينقص لهيبها, والوصل الأخير أيقظ ما في القلوب من لوعة وهيام عمرهما سنوات كثيرة. ولكن للواقع رأياً آخر لا يقبل فقط بالمشاعر, ولربنا لا تعني له هذه المشاعر شيئاً, فهو ما كان.. ومن بعده الطوفان.. احترقي أيتها المشاعر ما حلا لكِ من الزمن.. ولا تنتهي إلى حيثما تبلغين الخلود.. ولكن تذكري أن الواقع والقدر هما من يحكمان في الآخر.. وليس أنتِ.
الحالة الميلودرامية الكبيرة في العمل التي أظهرها De Sica جالباً تعقيدات صغيرة مؤثرة على الأحداث, جعلته أشبه بسيرة منطقية تتناول الحب كفلسفة عظيمة وشعور كبير من الصعب تفسيره أو الحد منه. لذا فشخصيتا Giovanna و Antonio ليستا أباطرة عشق لكنهما حبيبان يمكن تواجدهما في أي مكان وكل مكان. ومن الواضح أن معالجة الحرب بهذه الصورة كان خروجاً عن القصص الحربية لإقحامها في الدراما العاطفية العميقة وتسليطاً للضوء على حكايات أخرى وجروح خفية باردة يتناساها المؤرخون عند تأريح نتائج الحروب. وكل هذه العوامل كانت مؤشرات واضحة لالتزام De Sica بالنمط الواقعي الذي يحاكي الواقع ويماشيه إلى حد بعيد دون بهرجة ولا تزييف ولا تجميل.
اختار De Sica نجميه المفضلين Marcello Mastroianni وSophia Loren في هذا العمل لمعرفته المسبقة أنهما كفئان على إدخال الواقعية الجديدة ذات المشاعر القاسية في حنايا المشاعر الرقيقة المرهفة دون أن يجرحا المشاهد. ولأنها قادران على إضفاء اللمسة الكوميدية التي تقلل من هول الحالة الميلودرامية الجارحة.. ليخرج العمل بنكهة الباستا الفيلمية الإيطالية المألوفة. وأغنى العمل بحوارات غنية بالطرائف والألم على حد سواء تماثل الحوارات اليومية للناس. وجاءت الموسيقى الرخيمة لتتوج العمل أكثر وتضيف لكل لقطة حساً وأبعاداً.. لنخرج من العمل محترمين عظمة السينما حين تشبه الحياة عموماً.. ومتساءلين عمّا يمكن أن يصنعه الحب في حياتنا من ألم وأمل.. وحتى خلود.
رائع.