Pieta – 2012
لا يمكننا أن نيأس من الإنسانية, كوننا أنفسنا بشر.
ألبرت آينشتاين – أعظم فيزيائيي التاريخ
دون المشاعر والاحترام ماذا هناك ليميز الناس عن الوحوش؟
كونفوشيوس – فيلسوف صيني
من يصنع الوحش هو نفسه حين يخلّصها من ألم كونه بشرياً.
صموئيل جونسون – مؤلف إنجليزي شهير

هل تساءلتُم يوماً كيف تتشكّل المشاعر؟
اعتلى المنصة بصورة غريبة الأطوار, ووضع التمثال على رأسه, وغنّى محتفلاً بنصره أغنية وطنيّة.. بهذه الصورة غير الاعتيادية استقبل المخرج “كيم كي-دوك” جائزة أسد فينيسا الذهبي التاسع والستين عن فيلمه الأسود المثير للجدل “بيتا”, ذلك الاسم المستوحى من اسم تمثال شهير يعود لـ”مايكل أنجيلو” يجسّد السيدة العذراء الباكية التي تحمل جسد ابنها المسيح المصلوب النازف حتى الموت, استيحاءً واضحاً جداً في بوستر العمل أيضاً. ليقدّم لنا “دوك” قطعة عنيفة مزعجة على الشاشة جارحة في الصميم الإنساني في أكثر من إتجاه, مع صورة قد تكون أقل دموية نسبياً من المعتاد في السينما الكورية الحديثة. تلك السينما التي تصر من جديد على أنها رقم صعب من أرقام السينما العالمية, لا يقبل المرور على الهامش. “كيم دوك” امتهن في “بيتا” إدخالنا في مشاعر ثقيلة تصيبنا بصدمة وإنزعاج, ونوبة حيرة في هل نتعاطف مع بطل الحكاية أم نستمر في كرهه, وفي حالة ضيق واختناق متواصلة منذ بداية العمل إلى نهايته تقطع أنفاسنا لمشاهد البشرية المتهالكة في مجتمع الرأسمالية الذي لا يرحم, ولا يرى في البشر إلا أرقاماً وأموالاً.

كما كان تصرف المخرج عند استلام الجائزة غريب الأطوار, فإن المشاهد الافتتاحية التي يبدأ بها الفيلم لا يمكن وصفها إلا بغريبة الأطوار أيضاً. فترى في البداية شاباً ينتحر بشنق نفسه من خلال سلسلة مربوطة بجهاز يدور, ثم ننتقل لنرى شاباً آخر نكتشف لاحقاً أن اسمه “لي كانغ-دو” (أداه الممثل لي جانغ-جين) مستلقياً فوق سريره يستمني متأوهاً فوق وسادته حتى النشوة. لكن تلك الصورة المراهقية التي نجدها له بادئ الأمر تضمحلّ وتتلاشى مباشرة عندما نكتشف أن “كانغ-دو” شاب ثلاثيني يعمل كجامع أموال قروض ذات ربا كبير جداً عند مواعيد تسديدها. وبما أنه مكلف بجمع المال فلا يجد “كانغ-دو” أي خيار آخر له عند تعذّر دفع المدين لمستحقاته إلا أن يقوم بضربه أو أذيته أذيّة مستديمة تجعله معاقاً عاجزاً الأمر الذي يُجبر شركة التأمين على دفع المستحقات عنه بسبب عجز المدين نهائياً وبالتالي عدم إمكانية وفاء المال. وتتلاحق صدماتنا بالقسوة والعنف المفرط الذي يستخدمه الشاب “كانغ-دو” في الحصول على أموال الديون بطرق ولا أبشع ولا أقسى فهذا يتسبب له بقطع يده وهذا يرميه من أحد الطوابق غير العالية لبناء مهجور.. الخ.. والهدف يبقى فقط جعل المدين عاجزاً لا قتله. من جهة أخرى فنحن نرى أن “كانغ-دو” ليس له عائلة بل يعيش لوحده في منزله القذر المليء بأشلاء ودماء الحيوانات والأسماك التي اقتات عليها, مع طباع إجرامية تتجلى بشكل خاص في تمرّنه المستمر على قذف السكاكين على هدف معلق على الجدار, ملصق عليه رسم سيدة مكشوفة الصدر!

دون التطرق إلى النهاية لكي لا أحرق العمل عند من يرغب بمشاهدته, فالفيلم وضوحاً مؤلّف في نصّه من قسمين واضحين, وفي القسم الثاني منه أيضاً هناك إتجاهان واضحان.. القسم الأول في العمل هو تصرفات “كانغ دو” العدوانية الإجرامية المفرطة مع المدينين بشكل متصاعد ومؤذي للعين في كثير من الأوقات وفق جدول سداد الديون المُدوّن في أحد دفاتره الشخصية. يدعم هذه التصرفات لا مسؤولية الشخصية وبرودها المخزي الذي نراه متجلّياً على وجهه, والنابع من انعدام وجود عائلة حقيقة أو أقارب يخشى عليهم, فهو مجرد شخص شرس على هامش الحياة. لذا فعمله الشيطاني ضمن تلك الطبقة أشبه بالمسحوقة من العاملين المقترضين للأموال غير القادرين على سدادها حوّله إلى أشبه بشيطان مخيف, يرعب مجرد وجوده أو ذكره هؤلاء المساكين الذين يملؤهم الحقد عليه ورغبة الانتقام (الشعور الذي يحرك الكثير من الأفلام الآسيوية) فهو من كسر أطرافهم أو اقتطعها فأودى بهم إلى تلك الإعاقة المستديمة والعجز الأبدي, ولا شك في أنهم يأملون بالاقتصاص منه لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. نقطة التحول الأهم في هذا القسم, والتي تؤسس إلى القسم الثاني هي ظهور تلك المرأة “جانغ مي-سن” التي تدّعي أنها أمه (أبدعت في الدور شو مين سو) وتحاول أن تفعل المستحيل لتقنعه أنها أمه الغائبة والنادمة على هجرها له, والتي تقتحم منزله غير خائفة منه (أمامه غلى الأقل) وتنظفه وتطبخ له طعامه وتحاول الاهتمام به. كل هذه المشاعر الأمومية لم تكن بادئ الأمر كفيلة بأن تعيد لـ”كانغ-دو” أي جزء يذكر من الإنسانية, بل تفنن الشاب بتعذيبها لـ”يختبرها” أنكانت أمه حقاً, فمرة قطع جزءاً من جلده وأرغمها على أكلها. بل إن طبيعته الساديّة المتوحشة قدمت في هذا الجزء أحد أفظع المشاهد التي صنعتها السينما, في مشهد يطلب الولد من أمه أن تبيح له جسدها إن كانت حقاً أمه! مشهد ظلامي ثقيل جداً مزعج وخانق وومقرف والشاب التافه يقول لوالدته “خرجتُ من هنا وإلى هنا سأعود”!

القسم الثاني هو قسم إنقلابة الفتى بين يدي المرأة إلى طفل, فالرجل الثلاثيني استحال إلى صغير يبدو كأنه دون العاشرة من العمر؛ بعد أن تعلق بأمه على نحو طفولة متأخرة بصورة مضحكة لا تبدو منطقية. فبدأ اهتمامه بما غفل عنه في طفولته التي لم يعشها, ولعل مشهد اهتمام “كانغ-دو” بالبالونات الملونة التي ينفحها أحد المهرجين في الشارع هو مشهد تعبيري عميق, رمّز به “كيم كي-دوك”بطريقة ساخرة إلى بدء تكوّن المشاعر عند هذا الشاب ولو بعد حين بمجرد أن وجد من يأخذ بيده نحو الإحساس بالإنسانية ويفتح عينيه على المحبة والأسريّة والمشاعر. ثم يأتي المشهد الأهم في نظري هو المشهد الحواري الذي يتبادل “كانغ-دو” مع والدته اطراف الحديث عن المال. ليخرج “كيم كي-دوك” كل معاني الاستغلال الرأسمالي عندما بحث الشاب وأمه خلال حوارهما في معنى المال:
“وما هو المال؟.. إنه بداية ونهاية كل شيء.. الحب.. الشرف.. العنف.. الغضب.. الكراهية.. الغيرة.. الانتقام.. الموت”

وكلمة الانتقام التي استوقفت الشاب في السلسة المذكورة, وجعلت الشخص الذي يخشاه الجميع فجأة في نوبة من الخوف العميق, كانت بداية الوعي وإعادة التشكل الحقيقي لشخصية “كانغ-دو” وبالتالي المرحلة الجديدة في القسم الثاني من الفيلم. فالقلق الذي اعتراه من الانتقام ما كان بسبب خوفه على نفسه بل على أمه. ويبدو أن خوف “كانغ-دو” من الثأر كان باباً يُفتح أمام الأم التي أرادت معاقبة نفسها على تركها لابنها, ومعاقبة الولد على ما قام به من تصرفات شيطانية رغم أنه استقال من عمله الوحشي. فقررت بنفسها أن تحقق العدالة ولو على حساب نفسها. علماً أنني شخصياً أميل إلى اتجاه إلى أن المرأة “جانغ مي-سن” ما كانت أمه بالفعل, بل أم الشاب الذي ظهر يشنق نفسه في المشهد الافتتاحي والذي شاهدنا المرأة تبكيه قرب جثته أكثر من مرة, وكأننا نعلم الآن أنه أحد المدينين الذي تسبب “كانغ-دو” بمصيرهم, وأن ما فعلته بـ”كانغ-دو” من تحريك لإنسانيته ما كان إلا انتقاماً لابنها الراحل. ويدعم هذا التوجه اختيار اسم “بيتا” تمثال “مايكل أنجيلو” الذي عنون “كيم كي-دوك” فيلمه به. وفي رأي آخر يمكن أن نقول أنها أمهما معاً!

لا يبتعد الفيلم كما سبق وذكرت عن الاتجاه الذي تتبعه سينما كوريا الجنوبية -التي بدأت باتساع تكتسب عشاقها- من ناحية العنف وإزعاج الصورة والأفكار الشيطانية والرغبة في الانتقام, وحالة الاختناق المطاطة التي تنتابنا على طول المشاهدة هي مرثية بشرية ذاتية تخرج منا لرفضنا أن نرى العالم دون أخلاق أو مشاعر. وواضح أن “كيم كي-دوك” أراد أن يستفزنا بظلامية الفكرة وقتامة الصورة, ويجسد بضعة أنواع من القذارة والمهانة البشرية؛ ويربطها بالعوز إلى التربية والحب. هو يقدم لنا “الإنسانية” كشيء مكتسب غالباً من المحيط, لا نابع ذاتياً, بمسحة فلسفية قاسية, أو دراسة نفسية تبدو أحياناً شاذّة متطرفة أخلاقياً ومبالغ فيها عند تحول الشاب مثلاً إلى ما يشبه الطفولة المتأخرة. المشاهد القاتمة المحزنة في أكثر العمل تبدو أكثر قدرة إلى إضفاء لمسات الحزن المطلوب وبالتالي الوصول إلى النهاية التراجيدية ذات الطابع الأخلاقي المستند إلى الرضا عن النفس أو السلام الداخلي. بطء حركة الفيلم في قسمه الثاني تجعله أكثر مهابة وإخافة وهذا قد يدفع المشاهد المتعطش للأحداث للصدّ عنه, في حين أن المشاهد اللا أخلاقية التي دارت بين “كانغ-دو” وأمه كفيلة بجعل عدد من المشاهدين يتحولون إلى حالة السخط على الشخصية, بل أظن أن ذلك يمكن أن يتعدى كره الشخصية إلى كره الفيلم مجملاً من آخرين أو النفور منه. لذا فأتوقع أن “كيم كي-دوك” قد جازف نسبياً في عدة نواحي لكنه خرج بفيلم كبير من أفضل أفلام العام, وعليه فسأعذر له غرابة أطواره في حفل التتويج الفينيسي. من جهة أخرى فهناك نوع من الكوميديا السوداء نجده في مشهد الشاب عازف الجيتار الذي لم يقم “كانغ-دو” بتشويهه رغم أنه كان يجب أن يفعل, وهو مشهد ذو وظيفة كبيرة فهو بداية التغيير في الوحش الشرس, وضروري لإخراجنا من بعض الظلامية المسيطرة على العمل.

معظم الشراسة والعنف تم أمام الكاميرا ولا سيما مشاهد التشويه وتحويل المدينين إلى أشخاص معوقين التي كانت واقعية إلى درجة عالية تجعل العين تنأى عنها لا إرادياً. وأمكنة التصوير تبدو غريبة فنحن في مجتمع فقير في مدينة عُمّالية ما أو ورشة ميكانيكية قذرة ملأى بالآلات الكثيرة والمسننات والأخطار. ومن اللافت في مجال الصورة هو طريقة الإضاءة التي أراها ممتازة لتعكس قباحة ما يتطرق إليه العمل, فالضوء في المشاهد المزعجة متركز في المنتصف يتلاشى تدريجياً على الأطراف ليتحول إلى نهايات عاتمة لإضفاء جو الخوف والمقت. والموسيقى قليلة عموماً يشترك فيها تمتمات بشرية وتأوهات حزينة, وتظهر بشكل أكبر في أواخر العمل ولا سيما في مشهد انتحار الأم حين تنطق المغنّية باللغة العربية “بحبك” بصوت شجي, ولا أعتقد أن هذه الكلمة كانت مجرد صدفة, بل إن استخدامها كان في مكانه كتأكيد على تشكل المشاعر عند ذلك الوحش. من حيث الأداءات فأفضلها في نظري هو دور الأم (شو مين سو) التي قدّمت دوراً مميزاً جداً وتحدّث وجهها بمعاني عظيمة جداً فقدمت لنا ذلك الدرس العميق, أما (لي جانغ-جين) فقد استفاد من برود ملامح وجهه في تقديم صورة الشاب المتوحش الشرس بطريقة ذكية تجعلنا بالفعل نكره الشخصية ثم نحار في إن كنا سنحبها, أو يمكن أن نحبّها.

“بيتا” درس فلسفي عميق وقصة سوداوية جريئة مؤلمة, واستكشاف للإنسانية من خلال مشاهد لا إنسانية, واستدعاء واستخراج للمشاعر من حيثما لا وجود لمشاعر.
فيلم جيد لكني توقعته أفضل. الفكرة مميزة وهي التي شفعت للفيلم من وجهة نظري. مشهد النهاية عميق جداً. أفضل مافيه كان أداء الممثلة التي قامت بدور الأم! أدائها كان جداً رائع ومتقن بتعابير وجهها وردود أفعالها وإنكسارها.