Rust and Bone – 2012
احد الفلسفات التي توصلت إليها دراسات علم النفس وعلم ألاجتماع إن البشر مخلوقات انطوائية بالأصل رغم تلك الحاجة المستمرة للانخراط بمن يحيطون بهم , تلك الانطوائية يرجح أن أساسها كان من بداية وجوديتنا و لمدة تسعة شهور في حيز مظلم ضيق الحجم لا يتسع لنا ألا أن انكمشنا على ذاتنا ,, في تلك المرحلة من الحياة البشرية نرتبط بجسد أخر ونعتاش من خلاله وعند الانفصال عنه نكون مجبرين على تحمل الآم الناتج عن ذالك الانفصال والولادة ..
لولادة الإنسان لابد من ألآلام …!
جاك اوديار المخرج الفرنسي صاحب الرائعة الفرنسية المرشحة للأوسكار عن عام 2009 (نبي) , يحاول قدر الإمكان أن يقدم فكره بسيطة نوعاً ما ولكنها مشبعه بِسمات الأخاذة والصفات السامية , أوديار في عمله المرشح لجائزة السعفة الذهبية لهذا العام (الصدأ , والعظام ) يكرس كأميرته ليلقي بشعاع الشمس إلى تلك الأجساد التي نخر الصدأ عظامها ويجعل من أرواحنا معدن ذو صفاء خالص ولكن مع الأيام وصعوبات الحياة تتراكم ألا صدأه على ثناياه فلابد لنا لاستعادة تلك النقاوة التي خلقنا عليها إن نرتطم من جديد وان نعود إلى الرحم الذي بدأنا منه وان تملئ ألظلمه أركان حياتنا , لنعاود الولادة بعد الموت ..!
الصدأ والعظام ليس فقط حالة من البحث عن الحب وإيجاد المسؤولية تجاه من يحيطون بك ولا محاولة لتقديم فكرة عن الضياع والبرود وانعدام الاتصال الإنساني مع الآخرين , العمل حقيقة تتركز جماليته حول نقطه سوف ألخصها في مشهدين الأول منها , الحادثة التي تعرضت إليها ستيفاني مدربة الدلافين (ماريون كوتيار) إثناء احد العروض والتي حاول جاك اوديار أن يرسم مشهده بشكل احترافي كبير عن طريق أطلاق الصورة من داخل المياه لجسد ستيفاني والدماء تحيط بيه وكأنه تلك الصورة تشكل صورة اخرى لولادة الجنين من رحم ولادته ويعيد المخرج اوديار ذات المشهد ولكن بقالب أخر عند محاولة علي (ماثيوس شوانيرتس) إنقاذ طفلة الذي يسقط في احد البرك المتجمدة والذي يحاول كسر الجليد بيديه , وهنا يلتقط لنا اوديار صورة رائعة أخرى تطابق المشهد الأول التي تجعلك تظهر الطفل من تحت المياه كالجنين في الرحم ولن أبالغ إن قلت إنني أكاد اجزم ان ذالك المشهد اقتبس فعلياً من جنين حقيقي في داخل رحم والدته , من هنا سوف انطلق في الحديث عن ما أود طرحه في المراجعة عن عمل (الصدأ والعظام ) وهيا الفكرة الأساسية التي من خلالها تفرعت عدة أفكار .
يتحدث الفيلم عن التقاء شخصين بالمصادفة في احد الملاهي الليلة ويبرز من خلال هذا اللقاء حوار بسيط تظهر فيه ستيفني كمراه واثقة النفس والمتباهيه بجمالية جسدها وتلوح لنا مدى تأثيرها برجال شهوانياً والامر الذي يروقها بتأكيد .. بعد الحادثة التي من خلالها فقدت ستيفاني ساقيها وتلك الانغلاقية والشفقة على النفس تعود أشعة الشمس لتنسل على جسدها بعد حملها من قبل علي في احد المشاهد الأجمل والأكثر تعبيراَ عن لغة الحاجة الإنسانية للآخرين , وهنا يستمر اوديار برسم جمالية شخصيه ستيفاني المراه التي فقدت جزء كانت تظن انه في يوم ما ابرز ما فيها. إما علي ذالك الشاب إلا مبالي والذي يظهر عليه انه غير مسئول عن تربية طفله وانه رجل مادي وتمتلكه شهوه غريزة جارفة والذي يرى في كل من يحيطون فيه مجرد أشخاص يشبعون رغباته الشخصية إلى إن يشعر بحاجته إلى الآخرين وان عالمه لا يساوي شيئاً بعد فقدانهم ..
جاك اوديار يرى في كافة البشر تلك الحالة من الصفاء التي تغلفها الظلمة مع الأيام والتي عبر عنها بصدأ والحوادث تلك كانت بمثابة الارتطام الذي يكسر القشرة التي غلفت الصفاء بنسبه لشخصيتان الرئيسيتان , أيضاً لو لاحظنا إن اوديار أضاف عدة مشاهد لشخص يحمل شخص أخر منها مشهد حمل ستيفاني من قبل علي ومشاهد البداية لحمل علي لطفله على اكتافه وهذا امر يعود يلقي الضوء لما وضعته في بداية أطروحتي عن فكرة الجنين الذي يحمل من قبل الآم وترابط البشر وحاجة الطفل لامه وكان اوديار يبرز إن حاجتنا للآخرين مستمرة وان بدون تلك الارتباطات الإنسانية والحسية يفقد الإنسان وجوديته في الحياة والتي تؤدي بهلاكه واجزم إن مخرج العمل نقل لنا عدة مشاهد الصراع الوحشة والدموية للقتالات التي كان يخوضها علي ليرسم تلك الفكرة عن البشرية إن فقدت الحس ألمشاعري في اتصالها مع الآخرين تصبح مجرد حيوانات تتصارع للبقاء على الحياة ..
الصدأ والعظام عمل قدم بشكل تصويري خلاب ارتكز على التعبير من خلال أشعة الشمس عن النافذة التي من خلالها يدخل النور الى حياه الشخصيات الرئيسية وعبر فيها الظلام عن حالة الموت قبل الولادة والصراع الذي تعيشه النفوس البشرية بعد تعرضها للمآسي التي تقض فيها حاجتها ألماسه للآخرين وليقاضها من السبات المميت والذي عبر فيه المخرج جاك أوديار احد أفضل المخرجين الشباب حالياً بالولادة بعد الموت , والتي قدما فيها الثنائي ماريون وماثيوس دورين ربما يؤهل الأولى إلى ترشيح أوسكاري أخر ويبرز الثاني كواحد من الأرقام الصعبة ضمن الكوادر التمثيلية الأوروبية ليؤكد علو كعبه بعدما قدم العام السابق دور ممتاز في الفيلم البلجيكي (رأس الثور ),, …
أخيراً أجد إن ما قدم لنا في هذا العمل يستحق إن يضعه ضمن أهم وابرز أفلام العام والتي ارتسمت فيه مدى الجمال الذي يطغى على الإنسانية بعدما تتخلص من القشور وحاجاتها المادية والغريزية الحيوانية ..
4.5/5



