Four Minutes – 2006
“دائماً قد سحرني الطيش, والقوة, وذاك الشيء غير القابل للتوضيح الموجود في صميم كل الأعمال الفنية” كريس كراوس – مخرج العمل
صرخي صرخي يا عصفورة .. صمت الصوت – ابراهيم حنين (أغنية الفيلم Youtube)
بين خياراتنا السلبية, والأقدار التي تتحكم بنا, دائماً نجد ما نلقي اللوم عليه فيما بين التخيير والتسيير, رغم أن خياراتنا هي أكثر من يؤثر في مستقبلنا. هذا هو الدرس الذي يصر الألماني “كريس كراوس” في دراماه الإنسانية على أن يقدمه لنا ضمن إنطباعات عنيفة عن كل شيء.. عن الحرب, والسجن, والسلطة, والتعذيب, والأساتذة, والناس, ومحاولات الانتحار, والشذوذ, وحتى الموسيقى..! فتظهر لنا دراما مظلمة في أكثر من جانب وذات حزن عميق لا نجد إلا أن الشخصيات تكابده دونما أي قدرة على تغييره, فهو مرة قدر حُمّ وقُضي, ومرة أخرى اختيار شخصي تم التشبث به ولو على خطأ وأصبح التراجع عنه أمراً غير ممكن. وبخلفيته الآتية من دراسته الصحفية والتصويرية (كما هي مهنته فبل ولوج العمل في الإخراج) يعمل “كراوس” بثقة على إثبات نظرية وجود وصلة استثنائية فيما بين خلق الموهبة والألم, وعلى الخروج من تفاصيل الفرد إلى تفاصيل المجتمع لإظهار مرحلة تأريخية.. والنتيجة “أربع دقائق” في صرخة غضب ساحرة.
أبدأ من المشهد الأخير الذي لا تغير معرفته من اللهفة للمشاهدة ولا تقدم أي حرق -على غير عادة السينمات-. حين تتدفق الإيقاعات الحالمة الرقيقة منسابة بلطفٍ أولاً من ذلك البيانو على يدي “جيني فون لوبين” (أدت الدور بصورة رائعة الممثلة هانّا هيرتسشبرونغ) . قبل أن يتحول البيانو ذاته إلى فرقة كاملة تبرق وترعد غاضبة في معزوفة بيانو لا تشبه أية معزوفة. معزوفة مدهشة قد لا نصدق أنها تتم من خلال آلة البيانو وحدها, تحمل في أمواج علاماتها الموسيقية عاصفة هوجاء أو زلزالاً ثائراً لسجينة اختارات السجن نفياً لنفسها من عالمها, هروباً من والدها الغبي, وحمايةً لحبيبها الجاني. اختارت خياراتها وأوقفت إتكالها على الحظ, وبعلمها أو دون علمها بهول ما اختارته كان عليها أن تجابه خيارها كقدر أو كمعركة, ولكن قدرة صبرها كانت محدودة فجعلت من حالة الأم التي تجتاحها طوفان فوضى عارمة من الأسى لكل من حولها لتذيق الجميع ذات ذلك الإحساس.
الفيلم يروي جزءاً من سيرة ذاتية للسيدة “ترود كروغر” (1917-2004) (أدت الدور ببراعة الممثلة الراحلة مونيكا بلابتروي), تلك السيدة الثمانينية التي لا يبدو في هيئتها ما يشبه النساء في شيء, هي مُدرّسة بيانو مخضرمة كانت على مدى 60 عاماً تقوم بتعليم البيانو في سجن النساء كنوع من الترفيه لهنّ في زنازينهنّ. ذات ثقافة واسعة تحفظ الكثير من الأقوال المأثورة وتحفّظ هذه الأقوال لطلابها إلى درجة أن يخمّنوا اسم الرواية التي تم اجتزاء القول منها بمجرد التلفّظ به, معتمدة في ذلك على مكتبة ضخمة في منزلها الذي يبدو كله مثل مكتبة لا أكثر. عايشت السيدة “كروغر” عبر حياتها الطويلة داخل السجون الكثير والكثير من الحالات الإنسانية العابرة, فهي تعرف عدة مدراء سجن وحفظت أساليبهم في تمرير ما يريدون وما لا يريدون, وهي تقرأ ما بين السطور لتدرك من تصرفات صغيرة ما يُراد في حقيقة الأمر خلفها. حالة الإنطوائية والحزن الظاهرة على السيدة “كروغر” في بداية العمل قد تتراءى لنا نوعاً من نأي سيدة عجوز بنفسها عمّا يجري داخل السجن وربما هرباً من الحداثة, أو شيئاً من عدم الاكتراث بالمساجين أو السجانين (من خارج طلاّبها الموسيقيين) لكي لا تنساق وراء عواطف تخرجها من مهنتها التي تعتاش منها. إلا أننا نكتشف لاحقاً أنها تعاني من مشاكل مع ذاتها تقض مضجعها, فلطالما كان يطاردها خيال “حبيبتها” في حالة شذوذ عابر حين أحبّت امرأة تشاركها موهبتها في العزف, لكنها فقدتها خلال الحرب العالمية الثانية في إحدى الهجمات الأمريكية, وكانت تحمل نفسها إثم موت تلك المرأة كونها كانت مجبرة على الإقرار بما لا تعرفه عنها لتحمي نفسها ومهنتها وبالتالي لقمة عيشها. فعاشت بقية عمرها في حسرة على ما فعلت, وهذا أبعدها كلياً عن الناس وأجبرها أن تعمل بإخلاص لثقافتها وتدريسها الموسيقي غير آبهة بأي شيء آخر من حياة الناس, حتى أنها أهملت كل ملامح أنوثتها. كان واضحاً من نمط حياة السيدة “كروغر” أنها غير راضية بهذه الحياة على هذا النحو, لكنها كانت أضعف وأجبن على ما يبدو من أن تغيّره, ويبدو أن اختياراتها السيئة وسرها الدفين مع المرأة المقتولة أصبحت أموراً قدرية كأنها ذاكرة الحرب التي لا يمكن تجاوزها, لكنها في المقابل تعلّمت درساً فأصبحت أكثر طيبة وأكثر دقة في تخيّر المتاح لها من خيارات, وباشرت حياتها بصورة بسيطة لا تؤذي بها أحداً.
الإتجاه الآخر في الفيلم والمتصف بثورة الشباب كان في السجينة “جيني”, التي كانت وفق الفيلم الطفلة المعجزة لدى والدها بالتبني “غيرهارد”, الذي كرّس لها طفولتها لتعلم عزف البيانو ليصنع منها عازفة ماهرة بل أعجوبة طفولية موسيقية, ويبدو أن والدها أصبح يعتبرها في وقت لاحق من طفولتها مشروع حياته الذي يحصد له الجوائز والمال على حساب مشاعر وطفولة الفتاة, فحين واجهته في عمر 12 عاماً بعدم رغبتها في متابعة ذلك اعتدى عليها ورماها, فبدأ حقدها عليه يتصاعد إلى أن وقعت خلال مراهقتها في حب شاب مقامر لا يستحق منها الحب لكنه كان جزءاً من ثورتها على ذاتها وعائلتها, ثم كان أن قتل حبيبها الشاب والده, فجرمت “جيني” نفسها لتحمي حبيبها ووالد الطفل الذي كانت تنتظره, توقّعت منه أن يساعدها فتخلّص هو منها وأصبح حراً. وبعد أن فقدت خلال السجن طفلها تحولت الشابة إلى لبوءة جريحة لا يمكن السيطرة عليها, وتحوّل حقدها على ما أصابها إلى حقد على كل الناس. كانت رغم -اشتراك الشخصيتين في الخلفية غير المنطقية والشاذة- على نقيض السيدة “كروغر” فتجربتها لم تجعلها أهدأ أو أبسط وأطيب, كانت تشعر أن الظلام الذي قاسته كان يجب أن يدمّر كل العالم, وأن ماضيها فيما بين ما اختارته وما قُدّر لها, يعطيها الطاقة والحق في فعل كل ما تريد مهما كان شرساً. وكان واضحاً من طريقة تعامل “جيني” مع السجينات الأخريات وحتى السجانين أنها لم تكن تلقي بالاً للحياة, حتى أنها حاولت الانتحار. وحياتها العبثية جعلت عدة أطراف داخل السجن تصبح أعداء لها. ومن ذلك محاولات السجانين المستمرة في ثبيط همتها أو أذيّتها الجسدية (ولا سيما السجّان “موتزه”) بعدما استكشفت السيدة “كروغر” في الشابة تلك الموهبة وعملت على إخراجها للنور من جديد. في لقطات كثيرة نشعر كم كانت “جيني” بحاجة للحنان, وكم كانت بحاجة إلى أشخاص ليس لهم غاية عندها, يبادلونها الثقة والحب, وهذا جعل من السيدة “كروغر” بالنسبة لها أكثر من مدرّسة لا سيّما أنها رأت فيها تلك الروح الطيبة البسيطة. صحيح أن السيدة “كروغر” حاولت أن تستفيد من “جيني” من خلال إشراكها في مسابقة عزف, إلا أنها استطاعت بطريقتها الودودة, ومن خلال بث جو الثقة مع طالبتها أن تعيد لها الكثير من حيوية الشباب, وأن تُسيّر ثورتها الهمجية نحو هدف الفوز.
الشيء الذي سيعقد الأمور هو عودة ظهور والد “جيبي” بالتبني السيد “غيرهارد فون لوبين” (فاديم غلونا), الذي يظهر أنه يحمل الكثير الكثير من الندم على ما فعل -لكن حينما لم يعد ينفع الندم- ومحاولاته المستمرة للسؤال عن ابنته, ومعرفة تفاصيل سجنها ودراستها الموسيقية. وحين استطاع السيد “فون لوبين” أن يكتشف سرّ السيدة “كروغر” كان فعلياً يفاوضها ويضغط عليها على أن تستمر في تدريس ابنته بعدما كانت السيدة “كروغر” تستعد للتقاعد, وبعد أن علم أن علاقتها مع ابنته أصبحت جيدة جداً وأن هذه العلاقة كانت قادرة على تغيير نظرة الشابة للحياة, وأنها أعادتها إلى عوالم الفوز بمنافسات الموسيقى. إلا أن “جيني” اكتشفت وجود آثار أبيها خلف ما يجري, وكان من العسير عليها أن لا تقتنع بأن والدها كان وراء كل ما حصل لها, فانهارت العلاقة فيما بينها وبين السيدة “كروغر” ورغم محاولة الأخيرة الإصلاح إلا انها كانت تدرك هشاشة الوضع, لا سيما مع فتاة لا تحمل أية مشاعر كـ”جيني”.
يغرق الفيلم في تفاصيل نفسية داخلية لشخصياته على حساب وجود أية عواطف ظاهرة, ويربطها أكثر بنظرته للأمور لذا فهو يقيدها بالكثير من التفاصيل الشخصية والنفسية, ويسلط الضوء بشكل حاد في نقاط عدة على عدم قدرة الجيل القديم على التأقلم مع الحاضر وخضوعه لنمطية الحياة, على عكس الجيل الجديد الذي لا يتقبل أي شيء بسهولة. إلى درجة وجود بعض التعليقات العنصرية في شخصية السيدة “كروغر” ضد موسيقى “الزنج”. إلا أن ذلكلم يمنع من أداءات كبيرة للممثلتين “مونيكا بلابتروي” و”هانّا هيرتسشبرونغ”. وإذا كانت الشابة شديدة التعبير بيعينيها وجسدها ويديها الصغيرتين الطائرتين فوق مفاتيح البيانو, فان دور السيدة العجوز كان كبيراً وثقيلاً كدور رئيسي ويستحق التقدير للممثلة الراحلة التي أدته قبل رحيلها بسنوات قليلة. النص الميلودرامي يبدو شديد الارتباط بالبيانو كآلة, وقد استطاع أن يُخرج منه كميات وكميات من الحزن المخبوء في السيرة الذاتية للسيدة “كروغر” ومن طالبتها “جيني”, وكان العزف ممتعاً وبارعاً ويعوض الكثير من الأفكار المجردة التي يطرحها السيناريو والتي كانت قادرة على إضعافه وتحويله إلى حالة سطحية من التشويش المُبهم لولا ذكاء المخرج خلال هذا العمل (الذي يعد ثاني أعماله وقتها) في تدعيم العمل بعبقرية الموسيقى, وببعض الطرائف وجمال الصحبة الناشئة بين البطلتين. واسم العمل الذي لا يبدو مرتبطاً كثيراً بالأحداث تم اعتماده من آخر كلمات الحوار .. “أربع دقائق” هي المدة التي طلبت السيدة “كروغر” من السجانين أن يمنحوها لـ”جيني” لتعزف معزوقتها قبل أن يتم أخذها ثانية إلى السجن.
معزوفة النهاية هي واحدة من أكثر المشاهد التي أعدتها في مشاهداتي, وتظل بالنسبة لي عاصفة ثائرة محببة, في ظل عدم القدرة أو عدم الاقتناع بالتغيير, والمضي بين التسيير والتخيير.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





