The Lives of Others – 2006

“And you are a good man.”

ترجمة مهند الجندي عن جيمس برارندلي.

لا يخفى على أحد أن من أقوى أنواع الدراما هي تلك التي تجسد التحولات التي تمر بها الشخصية، وفيلم (حياة الغرباء) من هذا النوع، وهو العمل الأول المبهر والمؤثر للمخرج فلوريان هينكل فون دونرسمارك. يستحوذ دونرسمارك على اهتمامنا بفضل أسلوبه الأنيق لتتبع حياة شخص بارد وهادئ، ومن ثم يأخذنا في رحلة تحوله من إنسان مراقب محايد إلى مدافع متورط. يتفادى الفيلم أن يغالي من استخدام الميلودراما لكنه يلامس مشاعرنا بنفس الوقت. وربما يكون العامل الأبرز حول الفيلم هو التعقيد والذكاء الذين يتمتع بهما السيناريو الذي يقدم عدة تفسيرات لبعض المواقف دون التقليل من فطنة الجمهور بإصراره على واحدة منها. (حياة الغرباء) الذي نافس على أوسكار أفضل فيلم أجنبي للعام 2007 وعدة جوائز أوروبية رئيسة وجوائز سينمائية أخرى، يستحق المكانة الرفيعة التي وصل إليها حتى الآن.

تجري الأحداث في ألمانيا الشرقية من العام 1984، غيرد وايزلر (أولريك موهه) عضو محترم ومنظم في جهاز الستاسي. إنه محقق بارع ويدرس حصصاً حول كيفية اكتشاف كذب المتهم. يطلب منه مسئوله غروبيتز (أولريك توكر) أن يتولى مهمة مراقبة كاتب مسرحي اسمه غورغ درايمان (سيباستيان كاتش) وصديقته الممثلة كريستا ماريا سايلاند (مارتينا جاديك). يتضح أن درايمان رجل اشتراكي رزين ولا يبالغ في انتقاد الجمهورية الديمقراطية الألمانية، لكن غروبيتز يشك أن لديه حياة خفية أخرى. وما يزيد الأمور تعقيداً أن وزيراً رفيع المستوى (ثوماس ثيم) يريد كريستا لمصالحه الشخصية، وهو شيء يمكن تسهيل حدوثه إن كان درايمان خارج الصورة. يواصل وايزلر العمل في مهمته بنية الكشف عن أمثلة لشخصية درايمان المزدوجة المعادية للدولة، لكن كلما سمع أكثر من أحاديث عبر شقة درايمان كلما أصبح مهتماً في الحياة اليومية لهذا الكاتب المسرحي. كما يطور وايزلر مشاعرً لحماية كل من درايمان وكريستا، وينتقل من مراقبٍ إلى متورط وهو يحاول منعهم من القيام بخيارات قد تفسد مستقبلهم.

الستاسي: جهاز أمن الدولة الرسمي لألمانيا الشرقية.

إن الإغواء المجسد في الفيلم ليس مقصوداً، فوايزلر ينجذب لإمكانية توفر الفن ومعنى الوجود وفرصة الحب، أمور تفتقر لها حياته لكنها موجودة عند درايمان وكريستا. يعيش ويزلر في شقة بسيطة لا تختلف بشيء عن غرفة فندقية، وحين يرغب بصحبة أحدهم، يلجأ لطلب عاهرة ما. وبتصنته على أحاديث درايمان وكريستا، يكتشف فرصة الحصول على معنى أعمق لكينونته. وفي النهاية، فإن رغبته لأن يكون جزاءً من شيء له معنى يقوده لحماية هذا الثنائي، رغم أن أفعاله تخرق القانون وتهدد مستقبل مسيرته.

ومع أن المخرج يمنح وقتاً كافياً لشخصيتي درايمان وكريستا، إلا أن دوريهما مهمته تسيير الأحداث وحسب، فهي فعلياً قصة وايزلر، بالرغم من وجود لحظات مأساوية، فهي حكاية حول الخلاص. كما يتيح لنا الفيلم أن نتقهم هذه الشخصية المعزولة غير المحببة وأن نرغب بمرافقته في مشوار عاطفي يؤدي إلى وجهات غير متوقعة. ناهيك كذلك أن مواضيع مراقبته تعد مثيرة للاهتمام وتستحق تمضية وقتنا فيها، مما يعزز تعقيدات الفيلم ويضيف أبعاداً إضافية للخاتمة.

يؤدي أولريك موهه دور وايزلر بمثالية، بتجسيده التغيرات التدريجية التي تمر بها شخصيته بكل ثقة. وحسب قول فون دونرسمارك، فإن الدور كتب والممثل في باله، وذلك قد يكون دليلاً على مدى التآزر الكامن بين الممثل وزملائه على الشاشة. وزميلاه في التمثيل مارتينا غيديك وسبيستيان كوش رائعين أيضاً، لكنهما يعجزان عن سرقة الفيلم من موهه الذي يتمكن بأدائه المكبوت أن يكون الركيزة المفاجئة في الكثير من المشاهد، ومن أهمهما وهو يتنصت على درايمان وهو يعزف مقطوعة بيانو سوناتا (اسمها Sonata for a Good Man).

تكمن قوة فيلم (حياة الغرباء) أنه ينجح على عدة مستويات، خاصة طريقته في عرض تعقيدات وايزلر كإنسان، بالإضافة إلى أن كافة الشخصيات عميقة وتحمل أكثر من بعد واحد. يوفر هذا العمل بتمثيله الممتاز وكتابته الرائعة تجربة درامية حقيقية عالية المستوى، تشعر أنها متناسقة ويمكن تصديقها ودون أي استخفاف بالعقل. ستبقى مسألة اختيار هذا العمل كأفضل فيلم أجنبي للعام 2006 خاضعة للجدال، بيد أن استحقاقه ليكون أحد أبرز الأعمال غير الإنجليزية التي توزع وتعرض عالمياً هو أمر لا خلاف عليه. 

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading