Grave of the Fireflies: لماذا يُعد هذا الفيلم واحدًا من أعظم أفلام الحرب؟

في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، كانت القاذفات الأميركية تُلقي قنابل النابالم على المدن اليابانية، فتخلق عواصف من النار. كانت تلك القنابل أطول من علبة معدنية، لكنها قريبة منها في العرض، وتهبط نحو الأرض ووراءها ذيول قماشية ترفرف في الهواء. كان منظرها يكاد يكون جميلًا. بعد سقوطها، تأتي لحظة صمت قصيرة، ثم تنفجر، ناشرة النار في كل ما حولها. وفي أحياء يابانية سكنية مبنية من الخشب الرقيق والورق، لم تكن هناك طريقة حقيقية لمقاومة الحرائق.
يحكي فيلم Grave of the Fireflies، الصادر عام 1988، قصة طفلين من مدينة كوبي الساحلية، يفقدان منزلهما بسبب القصف. سيتا فتى في بداية مراهقته، وشقيقته سيتسوكو في الخامسة تقريبًا. والدهما يخدم في البحرية اليابانية، أما أمهما فتقع ضحية للقنابل. نرى سيتا راكعًا إلى جانب جسدها في مستشفى ميداني، وقد غطت الحروق جسدها.
اختفى البيت، والجيران، والمدرسة، وكل ما كان يشبه الحياة. تستضيفهما عمة لهما لفترة، لكنها تقسو عليهما بسبب الطعام، وفي النهاية يعثر سيتا على كهف صغير في تل قريب ليعيشا فيه. يفعل ما يستطيع كي يجد الطعام، وكي يجيب عن أسئلة سيتسوكو حول والديهما. اللقطة الأولى في الفيلم تُظهر سيتا ميتًا في محطة قطار أنفاق، ولذلك نستطيع أن نخمّن مصير سيتسوكو. ومن خلال الفلاش باك، يرافقنا شبح الفتى في استعادة الحكاية.
فيلم يجبرك على إعادة التفكير في الرسوم المتحركة
Grave of the Fireflies تجربة عاطفية قوية إلى درجة أنها تجبر المشاهد على إعادة التفكير في معنى الرسوم المتحركة. منذ البدايات، ارتبطت معظم أفلام الرسوم المتحركة بالأطفال والعائلة. أفلام مثل The Lion King وPrincess Mononoke وThe Iron Giant لامست موضوعات جادة، كما أن Toy Story وBambi احتويا لحظات أبكت بعض المشاهدين.
لكن هذه الأفلام تتحرك غالبًا داخل حدود آمنة. قد تثير الدموع، لكنها لا تخلق حزنًا عميقًا. أما Grave of the Fireflies فهو فيلم درامي قوي جاء في صورة رسوم متحركة. لذلك يمكن فهم ما قصده الناقد إرنست ريستر حين قارنه بـSchindler’s List وقال إنه أكثر فيلم رسوم متحركة إنسانية شاهده في حياته.
يروي الفيلم قصة بسيطة عن النجاة. على الصبي وشقيقته أن يجدا مكانًا ينامان فيه وطعامًا يبقيهما على قيد الحياة. في زمن الحرب، لا يكون الأقارب دائمًا لطفاء أو كرماء. وبعد أن تبيع عمتهما كيمونو أمهما مقابل الأرز، تحتفظ بجزء كبير من الأرز لنفسها. عندها يدرك سيتا أن عليه الرحيل.
معه بعض المال، ويمكنه أن يشتري الطعام لفترة قصيرة. لكن سريعًا لا يعود هناك طعام يُشترى. تضعف شقيقته يومًا بعد يوم. تُروى الحكاية من دون ميلودراما، ببساطة ووضوح، على طريقة الواقعية الجديدة. وهناك مساحة للصمت. واحدة من أعظم هدايا الفيلم هي صبره. اللقطات تبقى على الشاشة بما يكفي كي نفكر فيها، والشخصيات تُرى في لحظات خاصة، والطبيعة والجو العام يأخذان وقتهما كي يترسخا.
شعر بصري من الصمت والطبيعة
يستخدم الشعراء اليابانيون ما يُعرف بـ“كلمات الوسادة”، وهي كلمات تقع في منطقة بين الوقفة وعلامة الترقيم. واستخدم المخرج الكبير ياسوجيرو أوزو شيئًا مشابهًا في السينما، من خلال “لقطات الوسادة”: تفصيل من الطبيعة، مثلًا، يفصل بين مشهدين.
Grave of the Fireflies يستخدم هذه الطريقة أيضًا. صوره تصنع نوعًا من الشعر. هناك لحظات حركة سريعة، كما يحدث عندما تسقط القنابل ويمتلئ الشارع بالناس المرعوبين، لكن الفيلم لا يستغل الحركة للإثارة. إنه يتأمل نتائجها.
أخرج الفيلم إيساو تاكاهاتا، المرتبط باستوديو Ghibli الشهير، أحد أهم مصادر الرسوم المتحركة اليابانية. زميله في الاستوديو هو هاياو ميازاكي، مخرج Princess Mononoke وKiki’s Delivery Service وMy Neighbor Totoro. أفلام تاكاهاتا ليست عادة بهذه القسوة، لكن Grave of the Fireflies ينتمي إلى فئة خاصة.
يستند الفيلم إلى رواية شبه ذاتية للكاتب آكييوكي نوساكا، الذي كان طفلًا وقت قصف المدن اليابانية بالنار. ماتت شقيقته فعلًا من الجوع، وظل شعور الذنب يطارد حياته.
لماذا كانت الرسوم المتحركة الخيار الصحيح؟
الرواية معروفة في اليابان، وكان يمكن بسهولة تحويلها إلى فيلم حي بممثلين. إنها ليست مادة تقليدية للرسوم المتحركة. ومع ذلك، تبدو الرسوم المتحركة هنا الخيار الصحيح.
لو صُنع الفيلم بممثلين حقيقيين، لربما غرق تحت ثقل المؤثرات الخاصة والعنف ومشاهد الحركة. الرسوم المتحركة منحت تاكاهاتا فرصة التركيز على جوهر الحكاية. كما أن غياب الواقعية الكاملة في رسم الشخصيات يترك مساحة أكبر لخيالنا. عندما لا نكون مقيدين بوجوه ممثلين حقيقيين، يصبح من الأسهل أن ندمج الشخصيات بذكرياتنا ومشاعرنا الخاصة.
سعت هوليوود لعقود إلى ما يُسمى “الرسوم المتحركة الواقعية”، رغم أن العبارة نفسها تحمل تناقضًا. الشخصيات المرسومة لا تشبه البشر المصورين بالكاميرا. إنها أكثر اختزالًا ورمزية، وكما اكتشفت ديزني عبر تجارب طويلة، يمكن تضخيم حركتها كي تعبّر لغة الجسد عن الشعور.
Grave of the Fireflies لا يحاول حتى بلوغ واقعية The Lion King أو Princess Mononoke، لكنه، على نحو مفارق، أكثر فيلم رسوم متحركة واقعية شاهدته من ناحية الإحساس.
جمال لا يشبه جمال الكرتون
المواقع والخلفيات مرسومة بأسلوب يدين بشيء للفنان الياباني هيروشيغه من القرن الثامن عشر، ولتلميذه الحديث هيرجيه، مبتكر Tintin. هناك جمال كبير في هذه الخلفيات، لكنه ليس جمالًا كرتونيًا. إنه جمال مشهد طبيعي موحٍ، مرّ عبر مرشح الرسوم المتحركة.
الشخصيات تنتمي إلى أسلوب مألوف في الرسوم اليابانية الحديثة: عيون كبيرة، أجساد طفولية، وملامح مرنة جدًا. الفم صغير عندما يكون مغلقًا، وضخم عندما يُفتح في بكاء طفل، حتى إننا نرى لوزتي سيتسوكو.
يثبت الفيلم، إن كان الأمر يحتاج إلى إثبات، أن الرسوم المتحركة لا تخلق أثرها العاطفي عبر نسخ الواقع، وإنما عبر تكثيفه وتبسيطه، بحيث تصبح مشاهد كثيرة عن أفكار ومشاعر، أكثر مما هي عن وقائع مباشرة.
لحظات صغيرة لا تُنسى
هناك لحظات فردية شديدة الجمال. في إحداها، يمسك الطفلان باليراعات ليلًا ويستخدمانها لإضاءة الكهف. في اليوم التالي، يجد سيتا شقيقته الصغيرة تدفن الحشرات الميتة بعناية، كما تتخيل أن أمها دُفنت.
وفي مشهد آخر، تجهز الطفلة “عشاءً” لأخيها من الطين، فتشكله على هيئة كرات أرز وأطعمة خيالية أخرى. وهناك أيضًا مشهد يجدان فيه جثة على الشاطئ، ثم تظهر قاذفات بعيدة في السماء. لاحظ هنا دقة التوقيت، واستخدام الصمت.
يتوقف الناقد إرنست ريستر عند لقطة أخرى: حين يحبس سيتا فقاعة هواء بقطعة قماش مبللة، ثم يغمرها في الماء ويطلقها في وجه سيتسوكو المبتهج. عند تلك اللحظة، يقول ريستر إنه عرف أنه يشاهد شيئًا خاصًا.
طبقات ثقافية عميقة
تجري تحت سطح Grave of the Fireflies تيارات ثقافية يابانية قديمة. يشرح الناقد دينيس فوكوشيما الابن أن جذور القصة يمكن أن تُقرأ في تقليد مسرحيات الانتحار المزدوج. لا يعني ذلك أن سيتا وسيتسوكو ينتحران بشكل مباشر، لكن الحياة نفسها تستهلك إرادتهما في البقاء. كما يرى تشابهًا بين كهفهما في التل ومقابر التلال.
ويستشهد فوكوشيما بمقابلة مع الكاتب نوساكا، يقول فيها إن نجاته وحده جعلته يشعر بالذنب تجاه موت شقيقته. أثناء بحثه عن الطعام، كان كثيرًا ما يطعم نفسه أولًا، ثم يطعمها بعد ذلك. سبب موتها الواضح كان الجوع، وهذه الحقيقة الحزينة ظلت تطارده لسنوات. لذلك كتب عن التجربة، أملًا في طرد الشياطين التي عذبته.
واحد من أعظم أفلام الحرب
لأن Grave of the Fireflies فيلم رسوم متحركة ومن اليابان، لم يحظ بالمشاهدة التي يستحقها. وحين يقول عشاق الأنمي إن الفيلم عظيم، لا يأخذهم كثيرون على محمل الجد.
لكن الآن، مع توفره على DVD بخيار الترجمة أو الدبلجة الإنجليزية، ربما يجد الانتباه الذي يستحقه. نعم، هو فيلم رسوم متحركة، والأطفال فيه يملكون عيونًا واسعة مثل الصحون. لكنه يستحق أن يكون في أي قائمة تضم أعظم أفلام الحرب في تاريخ السينما.
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.