Anna Karenina – 2012

لا يمكن أن تسأل (لماذا) عن الحب, حيث أن قانون العشق لا يمكن استكشاف سببه, لأنه لا سبب له – ليو تولستوي

العشق قد يكون مؤقتاً, ولكن الفضيحة دائمة – روجر إيبرت

    لن أنكر إطلاقاً إعجابي بالمخرج “جو رايت”, فلطالما وجدتُ فيه فهماً كبيراً لما وراء شخوص أفلامه حتى يُخرج من دواخل ممثليه لمسات جاذبة ومغرية بالمتابعة ومشاهد تعيدها عدة مرات وتسلتذ بها. لسنا في هذه النسخة من “آنا كارنينا” رواية “ليو تولستوي” طائرة الشهرة نخالف تلك القاعدة ولا نشذ عنها, فـ”جو رايت” هو “جو رايت” بأجوائه وإحساسنا به خلف كاميرته, ولكن ما الذي تغير إذاً؟! أهي شجاعة زائدة أم رهان خائب؟ يبدو أن “جو رايت” لم يشعر أنه في “آنا” في ورطة هي بالنسبة لنا تشبه مشكلة تعريف شيء نعرفه كلنا وأصبح من المسلمات.. ولكن على كل حال هذان (أعني الشجاعة الزائدة والرهان الخائب) هما الانطباعان الأهم, فبين الافتتان, والقبول, والخيبة (نعم.. البعض وجد في العمل خيبة غير مفهومة السبب كلياً!) فإنا لا نلوم “رايت” نفسه, ولا نلوم “كيرا نايتلي” ولا “جود لو” اللذان كان دورهما في الفيلم دوراً متميزاً من مناحِ عدة. إذاً فعلى من اللوم؟ قد يكون اللوم كما أظن سببه المقارنة, فحين نقارن “آنا كارنينا” الحالية كفيلم مع النسخ السابقة سنخرج بتعبيرين: فاخر ومزركش ومترف, لكنه ليس أفضل.. وهذه أفكار غير منطقية بالضرورة لأنها تجعلنا نقارن بين الأفلام السابقة والحالية كأنها مقارنة بين أصل وتقليد, وهذا حكماً غير صحيح في حالة رواية, فماذا لو كان فيلم “رايت” أول مشاهداتنا السينمائية للرواية؟! أم أننا مللنا حقاً من “أنا كارنينا” ومشكلتها التي ما عادت اليوم بمشكلة تذكر في مجتمعات الغرب؟ أو لعلنا كنا ننتظر الكثير من فيلم حصد حملات إعلانية شديدة لمخرج وممثلة يبهراننا معاً قدما مسبقاً عملين رائعين (الفخر والإجحاف) و(الكفارة) مع توقعات أوسكارية وجوائزية سبقت صدور العمل.

    الستارة ترتفع, وتنطق الأوركسترا كأنها شريان حياة في أجساد ثابتة, ومن اللمسة الأولى نشعر أننا أمام مسرح دمى بخلفيات الغيوم والنجوم حول صالة الرقص. هناك “رايت” يعيد اسكتشاف “آنا كارنينا” على طريقته بعد 11 فيلماً بذات الاسم حول العالم قبله, متعمقاً في المجتمع الروسي الارستقراطي في القرن التاسع عشر لعله يراهم مجرد دمى وشخصيات مزينة مفرغة تقوم بالأحداث كدمى تحركها العادات والقواعد الاجتماعية كما تشاء. ونعود لنعيش ذات المعاناة بين الخيانة والحب, والالتزام ورغبة الحرية. ربما هذا كان الهدف من الستارة, كحد فاصل بين معانتين لا تنفصلان, أو لعل “رايت” يريدنا أن نفهم نسخته الحالية على أنها بالفعل نسخة مسرحية خاصة كونه يعلن رغبته في تجربة العمل المسرحي. عموماً فنسخة الفيلم التي صدرت عام 1948 من إخراج “جوليان دوفيفيه” وبطولة “فيفيان لي” و”رالف ريتشاردسون” كانت ملتزمة بتفاصيل الرواية نسبياً لتنتهي بالانتحار. ويبدو لي أن “رايت” كان متأثراً بها أكثر من النسخة الأخرى ذائعة الصيت التي ظهرت العام 1997 والتي هي الأخرى -كحال نسخته- لم تنل الكثير من الانطباعات النقدية الإيجابية عند ظهورها, والتي كانت من إخراج “برنارد روز” ومن بطولة متميزة من “صوفي مارسو” و”شون بين” والتي كلنا نعلم أن “روز” قد أضاف على الرواية نوعاً من المأساوية التي أحاطت بالكونت “فرونسكي” بعد انتحار “آنا”. وكنتُ شخصياً أنتظر لأرى ما الإضافة التي سيضفيها “رايت” هذا العام على الرواية, فإذا به يضيف مشهداً تفاؤليا لـ”أليكسي” مع ابنه “سيروزا” في حقل معشوشب كبير, ضمن صورة شاعرية فرحة مشمسة لعل “رايت” يقصد بها أنهما استطاعا تخطّي مأساة “آنا”. أو أن الزمن تغير وأصبحت أمور “الخيانة الزوجية” أسهل وأقل تأثيراً, هي مجرد تخمينات شخصية تبقى تفصيلاتها وبواطنها لدى “رايت” نفسه.

    بعد أن تأتي لتصلح بين أخيها وزوجته, تبدأ القصة بالتشعب منذ رقصة الفالس (غير الكلاسيكية هذه المرة) بين “آنا” (كيرا نايتلي) الزوجة الباحثة عن حب حياتها -الذي لم تجده عند زوجها المسؤول الحكومي”أليكسي كارنين” (جود لو) خلال تسع سنين من الزواج- بثوبها الأسود المخصّر الطويل وعقد اللؤلؤ فوق صدرها, والكونت “فرونسكي” (آرون تايلور جونسون) الشاب الجلف ذي البزة العسكرية البيضاء, والذي التقته صدفةً تحت الثلج في محطة قطارات, فرمى كيبوبيد سهامه بينهما من النظرة الأولى, رقصة مع حركات ذراعين هذه المرة, نشعر بهما كطيرين يتراقصان بلحن المحبة في فصل الربيع ناسيين كل المحيط حولهما. إذاً فنحن أمام سريالية معينة تطبع النسخة السينمائية الحالية من “آنا كارنينا” فتجعلها ترتبط أكثر بالصورة واللون والموسيقى, إذ أننا نرقص مع الأنغام ونصفق مع الصفقات وندور مع الراقصين. حالات تصويرية أخرى ستتكرر كثيراً بين مشاهد الحب والخيانة والحمل والغضب والمرض ستلعب بها الإنطباعات السمعية والبصرية لعبتها بنا. مرة في ساحة سباق الخيل, وحقول الحصاد, وحتى في مواعدات العاشقين وتبادلهما الحب في الحديقة, في خلافات “آنا” المنزلية, كما في مشهد الانتحار. نحن أمام سحر الصورة واللون, وزوايا التصوير والظلال, والأجواء الخلابة. إذاً هل يراهن “جو رايت” على الصورة؟؟ لو وضعنا هذه الفكرة في بالنا فسنخرج بجواب “نعم”. فنحن أمام ما يشبه المسرحية أو الدراما الموسيقية مبهرة الألوان مدهشة الصورة بشكل يراه البعض مفرطاً لا تستوجبه الرواية أو لا تحتمله أصلاً, أما البقية القصصية فنحن نعرفها مسبقاً, والأغلب أنه بناءً على ذلك فإننا ما كنا نغرق نفسنا في البحث عنها أو التفكير بمجريات الأحداث, وبالتالي فتحنا الباب لأنفسنا فوراً لنشرع شعورنا اللاإرادي بالمقارنة بالأعمال السابقة وسنحكم عندها على العمل بإشارة سلبية. لذا فعلى من يود المشاهدة أن يشاهد للتمتع, وأن يتذكر أننا أمام رواية يُعاد تشكيلها سينمائياً لمرة جديدة بصورة نوعية مع بيئة متفرّدة بلمسات موسيقية رائعة من “داريو مارينيللي”, وأننا لسنا أمام “أصل وتقليد” لنقارن هذه التجربة بسابقاتها كما في الفخ الذي وقعنا ووقع فيه كثير من النقاد كما أرى.

    بين عدم التصديق ثم المواجهة فالكره, يبرز “جود لو” كاختيار جد موفق لـ”رايت” في دور “أليكسي كارنين” كأحد أجمل أدواره, فهيبة مميزة يعطيها “جود” للدور وحكمة وضبط أعصاب. بينما يفيض وجه “كيرا نايتلي” بالإنطباعات العاشقة والحالمة ثم السعيدة والقاسية فالثائرة, فالحزينة فالأسيرة وأخيراً المحطمة, فتؤدي دوراً مميزاً لا يخلو من مشاهد ساخنة, ونجدها متألقة بشكل خاص في تجسيد الأنانية والحقد, ومن جديد يظهر لنا مدى انسجام “كيرا” مع “رايت” الذي يبدو أنه يقرأها بشكل صحيح ككتاب مفتوح, ويحسن تقدير موهبتها ويعرف مواطن التماعها, إذ تقدم “كيرا” دور “آنا” بشكل تام في حالة نضوج فنية قد ترشحها مرة أخرى إلى الأوسكار, وتجعل “كيرا” من “آنا” هذه لا تشبه نسبياً آنا “فيفيان لي” أو “صوفي مارسو”. أما “آرون جونسون” فلا أعتبره شخصياً خياراً موفقاً, فلم أشاهد جمالية في تخشينه لصوته ليعطي تلك الهيبة العسكرية, وبعيداً عن وسامته الملفتة فلم أعثر عنده على ذلك الإغواء الرجولي الذي يدفع امرأة متزوجة على ترك زوجها لأجله. أما على صعيد النص يبدو أن الكاتب “توم ستوبارد” (صاحب شكسبير عاشقاً) أراد من الفيلم أن يكون أكثر رومانسية, حيث نرى تفاصيل كل الشخصيات المشغولة بمشاكلها العاطفية بحالاتها الانفعالية بدءاً بـ”أوبلونسكي” (أدّاه الظريف ماثيو ماكفادين الذي يقوم بدور كبير فيظهر عندي أنه الشخصية الثالثة الموفقة جداً في العمل) أخ “آنا” ومشاكله مع زوجته, مروراً بالكونت “ليفين” (دومينال جليسون) وعشقه لـ”كيتي” (دور الرائعة أليسيا فيكاندر) المغرمة بدورها بالكونت “فرونكسي” الذي تنشأ بينه وبين “آنا” كيمياء غريبة منذ اللقاء العابر لعينيهما في محطة القطارات, كيمياء تنذر بكارثة اجتماعية في ذلك الحين, ولا سيما بعد تخلي “آنا” عن ابنها مقابل عشيقها, ثم نبذ المجتمع لها واضطرار “فرونكسي” لإجبارها على عدم الظهور للناس. سينماتوغرافيا من نمط عالِ, صورة نقية, ألوان ومشاهد ساحرة, موسيقى مميزة, اعتناء مبهر بالتفصيلات في الثياب وحتى الساعات والإكسسورات والديكورات, رغم صعوبة التصوير المحصور غالباً في قصر لندني قديم محدد المجال. على المقلب الآخر هناك شيء ما سيجعل إحساسك بالفيلم يتراجع تدريجياً, لن أسميه خذلاناً, لكن ما هو لا أدري, ربما هي الصورة أجهدتنا على حساب الإحساس العاطفي المطلوب فأحسسنا بفراغ معين في القصة يتزايد منذ البداية الجميلة للفيلم ليصل إلى النهاية… كأنه إحساس بإعلان تجاري لشيء جذّاب!.. “حلو .. بس في شي!”.. “شي” هذه المرة في إبهاره يبعد العمل عن جزء من خلفيته الواقعية ويجعله أقرب ربما إلى الفنتازيا فيعيق قبوله..

    جرأة اعتماد نسخة مسرحية أو موسيقية أو شبه فنتازية من نص “آنا كارنينا” وتقديمها سينمائياً هي تجربة أحتسبها وأحترمها لـ”جو رايت”, وقد بلغ الأمر عند بعض النقاد ليعتبروها مفاجأة العام السارة التي لا تقل عن جرأة العودة للصمت والأبيض والأسود في فيلم “الفنان” العام الفائت. وبعيداً عن الآراء النقدية والتوقعات الجوائزية التي يبدو تدريجباً أنها لن تصب -في حال وجودها- إلا في جوانب معينة من العمل تتعلق ببعض الأداءات والإظهارات, فإن الفيلم جميل لمن يحب تذوّق الصورة, وممل لمن لا يحب التفاصيل. بالنسبة لي الفيلم من أجمل أفلام العام التي لا ينقصها شيء, لكنه بمفارقة غريبة لا يأخذ علامة كبيرة!

 على هامش “آنا كارنينا” يقول جو رايت المخرج ذو الأربعين عاماً:

عن الحس المسرحي: ”لستُ جيداً في أجهزة الميديا الرقمية, بل إنني حقاً لا أفهمها, ترعرعتُ في مسرح دمى, حتى أصبح المسرح بيتنا. أحب رائحة الخشب والصمغ وأن أرى الأشياء تتشكل أمامي. إنه إحساس ممتع”.

عن علاقة الفشل بالتعلّم: “عندي بطاقة فوق منضدتي تعود لـ(صاموئيل بيكيت) تقول (حاول ثانية, أفشل ثانية, وافشل بشكل أفضل) لذا أعتقد أن لصنّاع الأفلام والفنانين حق الفشل. فبدون فشل ليس هناك إبداع, يجب أن تكون جريئاً. عليك أن تقتنع أن مؤخرتك قد تلامس الأرض ولكن يكفيك شرف المحاولة. تلك الجولة, هي الإثارة التي تجعلنا ننهض لنجرب مرة أخرى في الصباح. قد أسقط على مؤخرتي, ولكنني سأتعلم كيف أكون قادراً على فهم السبب لأنطلق نحو المستقبل”

عن صناعة فيلم آنا كارنينا: ”دوماً لازمتني فكرة صناعة فيلم في هذه الطريقة التجديدية. وعندما أدركتُ أنه ليس لدينا مال كافٍ لنصوّر في كل تلك القصور الرائعة حول روسيا وأن كل ميزانيتنا ستذهب على تكاليف الفنادق وأجور الطائرة, قبلت أنني يجب أن آخذ تلك الوثبة لأنتج فيلمي الذي تصورته منذ أمد”

عن علاقته بسينما الروايات: “ما زلت أفكر بتجديد الحكايات, و”عروس البحر الصغيرة” قصة مغرية بالنسبة لي, وقد أفكر بها لتكون كذلك مع “كيرا”.”

عن الإيحاءات: ” أردت عرض باليه بدل الكلمات, حيث أكتشف طبيعة الأداءات وأركّز على ما يمكن للجسم أن يقول من كلمات, فيلم “مايكل باويل وأميريك بريسبرغر” “الحذاء الأحمر” كان له تأثير كبير”.

عن رؤيته: “أردت أن أصنع هذا الفيلم لأنني أردت فهم الذي كان تولستوي يحاول إخبارنا به”.

عن كيرا نايتلي: ” كيرا نايتلي كانت الأعنف والأقوى جاذبية للدور, ودور “آنا” صُنع لها لأنني أردتُ لأن أصنع فيلماً آخر معها بعدما شاهدتها تتطور من الفتاة الصغيرة المذهلة إلى الممثلة العظيمة, وكلي أمل أن أصنع لها التتويج”. ” كلانا لديه احترام عميق للآخر, نتجادل أحياناً, لكننا نتجادل كأخوة”.

عن التقدير والجوائز: ” أنا أصنع أفلامي لي وللناس, ولا أنشغل بالاعتبارات الأخرى عندما أختار أو أصنع فيلمي. سأكون غير بشري لو قلت أنني لا أبالي بالأوسكار, سيكون أمراً رائعاً لو اعترف نظرائي بي, فأنا أحترم نظرائي. لكنني لا أحاول أن أفكر في الموضوع كثيراً, أحاول أن لا أُدخِل المنافسة مع الناس في رأسي, فهي شعور غير مريح حقاً”.

IMDb | RT

أفاتار نزار عز الدين

نزار عز الدين

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading