Landscape in the Mist – 1988

لا يمكنني أن أفكر بأية حاجة للطفولة أقوى من الحماية الأبوية 

سيغمند فرويد 

فقط في الظلام يمكننا أن نرى النجوم

مارتن لوثر كينغ

سأحكي لكم حكاية… عن الحب والموت والحنين والخوف واليأس…

    لستُ أدري كم مرة سُرقت مني دمعة خلال هذا الفيلم.. ولست أدري لماذا يبقى منه -شأنه شأن جلّ أعمال الراحل الكبير أنجيلوبولوس- لحظات أيقونة لا تتزحزح من الذاكرة وتعصى على النسيان.. ولماذا أشعر عند المشاهدة بترنّح السكارى, وارتجافات الخشخاش, كأنني أخشى من أن أُسقط ما فيه على الواقع رغم كل الحقيقة المبينة فيه… أتابع مشدوهاً بذهول فيما بين التصديق وعدم التصديق عملٍاً ينبض بالواقعية الأخاذة بطريقة “تيو” ذات الحوارات المقتضبة التي أعلم مسبقاً أنها تنزل في مكانها نحو العمق, دونما تطويل مملّ أو اختصار مخلّ, والتي تؤكد مدى العبقرية السينمائية لرجل يكتب السينما شعراً وتفيض صورته سحراً رغم قساوتها فتضج بها الأفكار, صورة لا تحيطها إطارات ولا تتوقف عبر الأزمنة..

في البدء كان الظلام, ثم كان هناك الضوء. وانفصل الضوء عن الظلام, وانفصلت الأرض عن البحر, وخُلقت الأنهار, والبحيرات, والجبال, ثم الزهور والأشجار.. والحيوانات والطيور.

    بهذه القصة الطفولية الضبابية التي لا تبدو ذات نهاية واضحة ولم تشأ لها الأقدار أن يكتمل سردها مع دخول الأم كل ليلة قاطعة على الطفلين المتهامسين حكايتهما في الظلام فيتظاهران بالنوم… بهذه القصة التي يتم رويها في الظلام ثم يحل النور مع قدوم الأم كما في تفاصيلها.. من هنا نبدأ فهي فيما بين الإعجاز وإعادة التشكيل تنسى أن تتناسى أية ظروف موضوعية أخرى.. ولا تهتم بأكثر من الانبلاج.. وتبدو كحالة أمل ينسدح ليجمّل الحياة.. إنها الطفولة, تلك الطفولة التي جعل منها أنجيلوبولوس على الدوام تتجرع من المرار الصنوف والصنوف, وتكابد شظف العيش وتحطّم الأحلام.. الطفولة التي تحاول جاهدة الحفاظ على براءتها في أزمنة الوحوش.. والطفلان “فولا” و”إليكساندر” اللذان تتمحور حولهما الحكاية, ويخطّان جل حواراتها على شكل رسائل إلى ذلك الوالد المجهول ليس كل ما فيها صحيح من الثقة والحب والأمل.. يجعل منهما في عالمهما الخاص الذي يغوص أنجيلوبولوس في توصيف بساطته الساحرة, ونبذ عوالم الكبار التي كانت تدخلاتها مؤلمة على الأغلب, ولا تحترم الطفولة المعذبة التي أخذها هدفها الضبابي نحو كوابيس متعددة الطبقات, ولكنه يبقى هدفاً.. وبعد كل هذه العقبات فشرف المحاولة يأبى التراجع.

    رمزية الأب المتكررة في سينما أنجيلوبولوس كما قال عنها ذات مرة تتجاوز الأب كشخص وتتحول إلى علامة ومعنى نبحث عنه ونؤمن فيه.. حتى يتحول البحث عنه إلى البحث عن هوية وانتماء. هذه الفكرة بالذات هي من دفعت الطفل “أليكساندر” ذو السنوات الخمس, وأخته “فاولا” ذات الحادية عشرة من العمر والتي تقف على عتبات المراهقة أخطر مرحلة في الحياة للبحث والارتحال إلى ألمانيا نحو ذلك الوالد الذي لم نعرف عنه أي تفاصيل.. سوى بعض التشكيك الذي سمعناه من خال الطفلين الذي التقياه على الطريق فأعطانا انطباعاً أنه ما من أب وما من ألمانيا.. بل إنها كذبة مختلقة زرعتها الوالدة لدى طفليها اللاشرعيين لتمسح بها أسئلتهما عن وجود الوالد, فيما تراءى لها أن “ألمانيا” بعيدة عن اليونان, وأن طفليها لن يكلفا نفسيهما بسبب هذا البعد عناء البحث عن الحقيقة.. ومن يدري فقد لا تكون الأم أساساً هي الأم..! وإن كان الفيلم لم يرِنا الوالدة في الأساس ولم تكن حاضرة كثيراً في أذهان الطفلين, بل إنه لعل غيابها عن الطفلين كثيراً من أوقات النهار وشعورهما بالحاجة إلى الحب والرعاية الكثير من الدوافع التي دفعتهما إلى رحلتهما الساذجة… فإن طيف الوالد كان جاثماً على الأغلب في أحلامهما المتعاقبة كبارقة أمل وهدف بعيد المنال -لكن ليس مستحيلاً- وحلم وردي يطبع الحياة بالأمان والحنين والدفء والقوة المفقودة.. حلمٌ في المفابل يأخذ هيئة مسيرة في مجهول مخيف تتكرر في غماره أسئلة الطفلين لبعضهما “هل أنت خائف” “لا تخف سأحكي لك قصة”.. لتؤكد لنا أن روحيهما الصغيرتين مرتعدة من الداخل ومرعبة حتى الإشباع, رغم جسارتهما الخارجية.

يا له من عالم غريب. كلمات وإيماءات لا نفهمها. والليل الذي يخيفنا. مع ذلك فنحن سعيدان لأننا نتحرك إلى الأمام.

    العبارة الموحية الرائعة المذكورة في إحدى رسائل الحنين إلى الأب, والتي خرجت من رحم صدام الصغيرين الأول مع الحياة خارج منزلهما حيث كانت معابر الحلم هي وسائط النقل الرحّالة نحو ذلك الغالي البعيد في المجهول.. فالقطارات والشاحنات والحافلات والدراجات النارية والمخافر والفنادق والمسرح هي أشياء غير مألوفة لهما وأشياء تحتاج الكثير من الشرح والتوضيح, وجزء من غموض أصبح في ظل هذه الجرأة غير الاعتيادية من طفلين هاربين حقيقة واقعهما الذي تكشّف أنه كمجمل الحياة عسير التأويل صعب الفهم.. إلى درجة أننا داخل هذه الإغراقات الشاعرية الإنسانية في الصورة ذات الأبعاد الماورائية نكاد لا نفهم شيئاً.. فهي ليست إذاً النظرة الطفولية, بل إن الحياة في مجملها ذات تفاصيل غير مفهومة أحياناً.. بعد خاص للصورة قد يحتكره “تيو” وحده لكنه يبدع فيه. وخلال المشهدية الطولية التي تطغى على العمل تنساب هذه الرمزيات المجنونة.. فهنا بهجة غامرة من سقوط الثلج إلى درجة التحوّل إلى حالة ثمالة عجيبة كأنه لا ثلج يسقط كل عام في اليونان فيسرع الناس للخروج إلى الشارع والقوف كالتماثيل تحت الثلج الكثيف.. وحالة انتحار مبهمة في مخفر “انساب الحبل حول رقبته”! كأنما الحبل هو الجاني وليس من انتحر.. وكأنما أصبحت الوسيلة شريكاً طالما أنه تم استخدامها في الحدث… وهناك عروس تهرب باكية من حفل زفافها راكضة في ساحة غمرتها الثلوج فليحق بها أحدهم ويعيدها للداخل.. صورة أخرى تركها أنجيلوبولوس لنا لنقرر خلفيتها فإن قال البعض أنها خائفة من المجهول فيما بعد الزفاف كإسقاط لحقيقة روحي الطفلين, فيقول آخرون أنه ثقل المسؤولية, أو ربما هو قلة الخيارات والإكراه .. والتأويلات تتعدد. إلى أن يلتحق بالمشهد صورة الحصان المحتضر الذي يبدو التمّاس الأول للطفلين مع الموت ورهبته والخوف من أن تخور القوى.. ومن سخرية القدر أن الموت الذي جرى بصمت بالنسبة للحصان, وتحت العويل الممتزج بحرقة الدموع من الطفل “إليسكاندر” الذي يبدو أنه يشاهد حالة الوفاة الأولى في حياته.. كان تحت وقع أصوات الصفقات وإيقاعات الأغنيات الراقصة التي تثقل المشهد آتية من حفل الزفاف.. لكأنما هي قذارة الحياة ووجوهها المتعددة الساخرة.

    من الصور الأخرى التي تحتمل العديد من التأويلات أيضاً والتي لن أتحدث عنها لضيق الوقت, شخصية “النورس” وإذا كانت حقيقة أم لا, مشهد الدجاجة ,وصورة عازف الكمان في المطعم.. وسائقي الدرجات المجهولون ذوي الألبسة الصفراء الفوسفورية, ومشهد تحية العلم, وببيع الممثلين الجوالين اليائسين لملابسهم. لكن يبقى المشهد الأهم وهو مشهد الكف الصخرية الضخمة مقطوهة أصبع السبابة التي يتم انتشالها من عباب البحر.. والتي تظهر كأنها جزء من ماض بعيد قد شوهه واقع معين.. مشهد يأسرنا كمشاهدين برهبة مهيبة, ويجعلنا في حالة تفكّر شبه أسطورية نابضة بالسريالية.. شيء أقرب إلى استكشاف بدائية معينة لا تقل في جوانبها عن خامة الطفولة التي حملتها براءتها على الترحال فشوهها الزمن وترك الندبات التي لا تمّحي في أعماقها.. مشهد إعجازي تتوقف عنده الكلمات وتتدفق حوله الاحتمالات.. وحتى أنجيلوبولوس نفسه في أحاديثه قال أنه لا يستطيع أن يتحدث عن مغزاه, فهو ليس إلا وسيلة للإفلات من تخوم السرد البسيط, ومن الصعب التيقن من معاني مثل هذه العناصر الرمزية.

    وإذا كان القدر قد وضع في طريق الطفلين “أوريستي” الوجه الطيب الذي التقياه, فكان أن مدّهما بالكثير من الأمل وبدد الكثير من مخاوفهما.. منذ أن دعاهما للصعود معه في الحافلة (كونه لا يأكل الأطفال), فاكتشفا لاحقاً أنه ممثل جوال يعمل في أحد الفرق المسرحية المتنقلة. شخص يجعل من الحياة لا تخلو من الإنسانية رغم قتامة الصورة. إلا أن الأشياء لا تكون دائماً كما تظهر, و”أوريستي” الودود ليس إلا حالة ليس بالضرورة أن تتكرر, ودروس الحياة على الغالب يتكنفها الألم. فسائق الشاحنة الذي كان في هيئته يتضمن صور الرجولة المختبرة للحياة أكثر من الممثل الشاب, لم يكن في الحقيقة إلا ذئباً بشرياً استغل ظرف الطفلة ليغتصبها ضمن الجزء الخلفي من الشاحنة في أحد أكثر المشاهد قساوة, والذي جعل منه أنجيلوبولوس لقطة ثابتة تحدث وقائعها الجارحة خارج الصورة, علماً أنه جعل من سائق الشاحنة في حالة بين السكر والوعي. وقد خان الصوت المشهد هنا على عكس ما يتوقع المشاهد, فكان المشهد صامتاً لم نسمع فيه أي صراخ من “فولا”. وصمت “فولا” الذي نعلم أن الممثلة الصغيرة قد أصرت عليه وعلى عدم الصراخ بعد أن رفضت تمثيل الاغتصاب نفسه, كان شيئاً موفقاً فقد أسبغ على المشهد عينه تأويلات عديدة. فصمت المشهد تحول أيضاً إلى وقع ذو جرس روحي نفسي, إذ لعل الفتاة قد صُدمت بالرجولة في زمن البحث عن رمز الرجولة في حياة الطفل.. وهي صورة انكسار وخوف ومهانة لا تقتطعها سوى الدماء التي سالت من الفتاة وتحسستها بيدها قلقة, ثم مسحتها بغطاء السيارة كأنها تؤرخ بدم بكارتها للمأساة التي وقعت ها هنا, وتسجلها كيوم مؤلم رهيب يستحيل أن يمحى من مخيلتها, ولا يفارقها تأثيره مدى الحياة.

هذا ما تفعله المرة الأولى, المرة التي يدق فيها قلبكِ .حتى تظنين أنه سينكسر.. أقدامك ترتعش, وتريدين الموت. 
وحيث كان فراق “فولا” و”أوريستي” قدراً محتوماً, تكشفت حقيقة مشاعر الحب الطفولي الأول الذي بدأت تكنه الفتاة -التي أوشكت الدخول إلى المراهقة- لذلك الشاب الذي تحول في أيام قليلة إلى رمز الرجولة النبيلة والعاطفة المفقودة, والإنسانية الرحيمة التي لم تألفها خلال ترحالها من أحد. والمحبة التي يبدو أنها بدأت على طريقة محبة أبوية باتت أعمق بكثير بعد أن حصلت واقعة الشاحنة وعادت فجأة لترى هذا الشاب, ليس من مبدأ تفتّح الأنوثة, بل من خلال سيكولوجيا تناغم الأرواح التي شهدناها منذ لقائهما الأول, إلى لحظة الوداع والعناق الغارقة بالدمع.. وقد يكون البكاء نفسه أعمق من مجرد بكاء على شخص عزيز راحل.. فهو على عذرية خطفها الوحوش من ذوي الجلود البشرية, وأم أصبحت بعيدة لتدفع عن طفليها الخطر, بل إنها قد تعاقبهما لو عادا, وعلى والد بعيد بدأت ملامح إدراك الطفلة تشك في عدم وجوده أو على الأقل في عدم العثور عليه. وما يدعم هذه النظرية أن “فولا” نفسها التي كانت تهدّئ من روع “أليكساندر” هي من بادرته في مشهد الختام لتقول “أنا خائفة”.

وراء الضباب… بعيداً ألا يمكن أن ترى شجرة؟
أسرق هذه العبارة من حديث الممثل الشاب “أوريستي” الذي أسبغ عليهما من مشاعر الحنان التي افتقداها طويلاً, ما جعلهما يشعران أن هناك من يهتم بشأنهما ويبالي بهما, فتهدأ به سريرتهما. تلك العبارة التي اقتبستُها والقادمة في توصيف زائف لقطعة من زجاجة شفافة وجدها في القمامة خلال سيره مع الطفلين, هي جملة ذات وقع بعيد في النفس.. فخلف العسر ينبلج اليسر, ولا شيء دائم فالضباب سيزول. وهذه الصورة التخيلية التي مرّت عابرة في حديث هنا, تحولت في النهاية إلى مشهد الختام الذي ما كان أنجيلوبولوس في روايته الأولى يريده بهذه التفاؤلية.. لكن ابنتاه أصرّتا في ذلك الحين على تعديله من الضياع الذي كان يريد ثيو أن ينتهي به, إلى النهاية المفتوحة الموحية التي تترك للمشاهد الخيال في إكمال العمل بالصورة التي يراها مناسبة. فعناق الطفلين للشجرة رغم أنها ليست النهاية بل بداية مرحلة جديدة قد لا يكون تنفس الصعداء, بل الشعور المبهج بكسب جولة في معترك الحياة الذي اقتحمت غمارُه قلوب صغيرة.

 

    يحتسب للمخرج الراحل “ثيودور أنجيلوبولوس” في “منظر في السديم” -الذي حصد من خلاله الجائزة الكبرى وأفضل مخرج وجائزة النقاد العالميين في مهرجان فينيسيا, وأفضل فيلم وتصوير في مهرجان شيكاغو, وجائزة أفضل فيلم أوروبي للعام 1988- أنه أبعد عامل الشفقة عن العمل, فالنص كان من وجه نظر الطفولة المحضة التي تنطلق من شخوصها لا من الخارج, وبالتالي فلم نكن نشاهد في الفيلم لحظات إشفاق حقيقة ترهق حواسنا, بل كانت حواسنا تتوجه نحو روح الفيلم ومتعة الصورة وسريالية المشهد. وإذا كان من الخطورة أن يكون بطلا العمل أطفالاً, فلا شك أن “تانيا بالايوجو” و”ميخاليس زيكيه” قد أجادا في العمل. ومن الأثر ذكره أن “ثيو” تعامل بديناميكية كبيرة معهما, فالطفلة حين رفضت مشهد الاغتصاب والصراخ فقد تم تحوير المشهد إلى شكل آخر لا يقل جمالاً. والطفل حين وجد صعوبة في تمثيل مشهد البكاء على الحصان جعل من المشهد يتم تصويره بلقطة واحدة ليستغل بكاؤه الحقيقي بعد أن وبّخه “ثيو” طالباً منه إظهار العمق التمثيلي المطلوب. وكعادة أنجيلوبولوس فالمشهد مقطع طويل يسير ببطء, والحركة فيه قليلة, والزمن كأنه حاضر غائب من مبدأ التسييل, والكاميرا تتنقل بحذر إلى مسافات غير بعيدة, والجو عاصف أو غائم أو ضبابي ليتماشى مع أبعاد المعالجة الدراما التراجيدية النفسية التي تقترب من التوثيق هنا.. وكالعادة أيضاً فإنه يخرس الحوارات كي تنطق الصور من السكون.. ويحرق الأفئدة لترتقي بنا نحو التأمل… ثم يتدفق شلال موسيقى المبدعة “إيليني كاريندرو” ليجعل من الفيلم قطعة نادرة إبداعية, وحكاية حب وموت وحنين وخوف ويأس لا تتكرر, وعملاً سينمائياً يفوق التقييم.

IMDb|RT

أفاتار نزار عز الدين

نزار عز الدين

رأيان حول “Landscape in the Mist – 1988

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading