Beasts of the Southern Wild – 2012

لم أفكر مطلقاً بأن أشاهد هذه البساطة الإبداعية هذا العام في ظل ضخامة الإنتاجات الدرامية والبيوغرافية والروائية! “وحوش البراري الجنوبية” يبدو عملاً كبيراً منافساً بقوة لا سيما أنه يأتي من مخرج جديد هو “بينه زيتلين” وبطلته طفلة سوداء شقية مذهلة هي “كوفينزاني واليس”. طبيعية الأداءات والحوارات واستخدام فريق ممثلين محلي مجهول فعلياً أمور تجعل من هذا الفيلم أحد أهم أفلام العام, بل إنه يأتي على شكل صدمة وتحدي للكثير من الأسماء الكبيرة التي فشلت (أو تكاد) ولم تستطع أسماؤها الكبيرة الصمود. عمل يصرخ بصوت هادئ ليحاكي الأعماق من خلال تحليلات شخصية لحياة طفلة لا تعيش كالأطفال. تسرد رؤيتها الوجودية وأفكارها الفطرية غير المشذبة أو المشوبة بغبار الحضارة, تستشعر الازدواجية في حياة البشر, لكنها رغم إحساسها العميق بأنها ليست وحشاً, تستلذ بالحياة كالوحوش, وتحب حياتها وعالمها الخاص. كلمات الصغيرة التي نستقرئها في العمل ليست أقل من حكم تنادينا بها الطبيعة البشرية الموجودة داخلنا لكننا لا نتبعها أحياناً بسبب ما يفرضه علينا مجتمع اليوم الذي أعمى عيوننا في كثير من الأحيان عن بواطن وخفايا الحياة. لا أتحدث في حالة إيمانية فالفيلم ليس فلسفة إيمانية مطلقاً كما كان “شجرة الحياة” لـ”ترانس ماليك” العام الفائت, فالمجتمع الذي تجري فيه الأحداث هو بدائي ودعنا نقول تجاوزاً أنه وثني, لكنه يحتفظ بمعاني الكرامة والمحبة وما زال للإنسان قيمة فيه أبعد عن أن تكون تلك القيمة الرقمية المتناقصة لنا كبشر في مجتمعاتنا “التي يُفترض أنها” متحضرة.
لا يدخل العمل في جدليات الغيب والوجودية التي تستسيغها أحياناً السينمات الفلسفية عميقة التأثير, ولا يدخل العمل في فلسفيات التمييز العرقي فلا يوجد فيه ما يُظهر مثلاً ازدراء السود أو معاداتهم رغم وجود ازدواجية لا لونية نستطيع أن نلمسها بسهولة. ولا يحاول العمل أن يجعلنا نفكر كثيراً خارجه بل أن نعيش اللحظة في حيوات أشخاص لا تشبهنا. ولا أعتقد أن “بينه زيتلين” يتقصد بعمله النوعية التوعوية بقدرما يريد أن يجسد فلسفة معينة للحياة والبقاء, وربما اختياره لهذه الحالة البدائية من المجتمعات كانت معتمدة لإبعادها عن الصبغة الدينية أو التعقيدات الحضارية التي شئنا أم أبينا تقيد تفاصيل حياتنا اليومية كبشر نعيش في زمان هذه الصبغة وهاتيك التعقيدات. ومن الجميل أنه لم يختر زماناً محدداً فالزمان لا يبدو كأي زمان هو يجمع البدائية والمعاصرة والخيال معاً, إذاً لسنا نتحدث عن بدائية نشوء الخليقة ولا حضارتنا الحالية اللا أخلاقية التي يبدو أنها ستلتهم البشرية مستقبلاً, أما الخيال فلا يكاد يكون كبير الحضور لولا ظهور تلك الوحوش المجهولة الأشبه بماموث العصور الجليدي التي لا أعتبرها شخصياً إلا إسقاطات أيقونية لا أكثر للخوف والهلوسة والضعف في حياة الفتاة الصغيرة التي تتصارع فيها مشاعرها الإنسانية مع طبيعتها الوحشية والتي تحاول حتى النهاية أن لا تبكي, فالرجال لا يبكون..!

هل حقاً هم وحوش؟…
قد يكونون يعيشون حياة الوحوش بالنسبة لنا, قد نكون نراهم بعيدين عن الأحاسيس أو اللباقة, قد نرى مجتمعهم بدائياً وغير مبني على أسس إنسانية. لكن “باث تاب” (وهذا يعني حوض الحمّام!) كوطن هو “المكان الأجمل على الأرض” كما تصفه “هشبوبي (الطفلة كوفينزاني واليس) ذات السنوات الست التي تصارع مع محيطها بيئة غير خيالية يخيل لي أنها من لويزيانا على دلتا الميسيسيبي, هناك خلف السد حيث ترتفع المياه تدريجياً لتغمر الأراضي وتنذر قاطنيها بالغرق والموت, تكبر “هشبوبي” في الفقر المدقع الذي لا يبدو غريباً على حال كل محيطها مع والدها الذي لا نفهم كثيراً عن عمله أو ثقافته, تعيش هناك بين القمامة وصناديق الكرتون والزجاج, والمواشي والكلاب, محاطة بعناية أبيها “وينك ” (دوايت هنري) الذي يبدو أنه يمتلك طريقة برية في التربية, فهو لا يعاملها كطفلة لكنه يغمرها بحب واضح في مختلف فصول الفيلم. يبدو مدمناً على الخمور, أو إنساناً هامشياً, وندرك كما تدرك طفلته لاحقاً أنه يعاني من مرض ما نكتشف لاحقاً أنه فاقة دموية. يعيشان هناك بين مجموعة من الجيران (سود وبيض على حد سواء), يبدون سعداء بمعيشتهم تلك, والبؤس والشقاء يربطهم ببعضهم بطريقة تجعل منهم شيئاً يشبه العائلة الواحدة. وفي حضم هذه التفاصيل غير الحضارية تظهر “هشبوبي” لتخبرني فلسفة حياتها التي صنعتها بنفسها من خلال الكثير من تلميحات وتعليمات والدها إضافة لتجربتها الحياتية, فلسفة حياتها المتجهمة والحزينة التي لا تحمل أي أصناف المرح والسعادة. قد تظهر لنا كفلسفة طفولية بريئة, لكنها في الحقيقة فلسفة الفطرة التي لو عدنا إليها لنازعتنا إليها نفوسنا. إذاً فما تعريفنا للوحوش, وهل طريقة الحياة هي من يجعلنا نقيم الناس, إذا كان الأمر كذلك ففي كل منا وحش في مكان ما! ومن مطالعتي لأحد المقابلات فمخرج العمل يقول أن المقصود بـ”الوحوش” هو العلاقة العضوية (الحسية والعاطفية) بين مجتمع “باث تاب” حول الطفلة عند مقارنتهم بالعالم الطبيعي.
للأطفال فلسفة لا تقل شأناً عن الكبار..
كثيراً ما سمعنا شيئاً من طفل فشعرنا بسخفه.. ثم سمعناه من فيلسوف أو باحث فصفّقنا له!.. نعم.. للأطفال فسلفتهم الشخصية المبينة على أسس الفطرة, فلسفة نفقدها تدريجياً مع تقدمنا في السن بسبب إرهاصات الحياة المعاصرة من جهة, وبسبب أنا مخلوقات دبلوماسية واجتماعية تضطر للكذب والمواربة والمداراة تبعاً لحاجاتنا التي تفرض علينا التغيير.. من فلسفات الطفلة “هشبوبي” في فيلم “وحوش البراري الجنوبية”:
– الكون بأكمله مبني على تلاءم الأشياء مع بعضها البعض.. فإن استطعت إصلاح الجزء المكسور فسيعود كل شيء لسابق عهده.
– في كل العصور وفي كل مكان.. تدق قلوب كل الكائنات وتنبض بالدماء.. وتتحدث لبعضها البعض بطريقة لا أستطيع فهمها.. لكن في أغلب الأوقات فلربما تقول “أنا جائع”.. أو “أريد قضاء حاجتي”.. لكنهم في بعض الأوقات يتحدثون بالألغاز.
– الأطفال الذي ليس لديهم أم ولا أب أو لا أحد.. يذهبون للعيش في الغابات, ويأكلون الحشائش ويسرقون الثياب.
– والدي يقول أن الشجعان لا يهربون من بيوتهم.
– عندما تكون صغيراً يجب عليك إصلاح ما بوسعك.
– أرى بأنني قطعة صغيرة من الكون الكبير جداً.

العاصفة… صراع البقاء ومسألة الوجود..
وأتت العاصفة المرتقبة… على إثر ذوبان جبال الجليد ارتفع منسوب الماء, وأسهمت الأمطار المتهاطلة بارتفاع المياه أكثر فغمرت المنازل إلى منتصفها. بعض الحريصين من أهالي المنطقة أشادوا منازلهم مع بعض العلو, و”وينك” والد “هشبوبي” تحضر بطريقة أخرى فوضع قارباً في منتصف المنزل يرتفع مع ارتفاع منسوب المياه, صانعاً فتحة في سقف المنزل تؤهّل القارب للرحيل عند ارتفاع المطر, ورغم مرض الوالد وخوف الصغيرة اختار الوالد البقاء على الرحيل المجهول من وطنه إلا اللا مكان.. حاول أن يظهر لابنته كيف يتحدى العاصفة وأنها لا يخشاها مع أنه يدرك تماماً أنها تهديد لحياته وحياتها. هكذا كشخص يرفض الرحيل من موطنه الحبيب -رغم بشاعته- حين يحاول أي طرف إرغامه على تركه.. صورة العاصفة كانت ضرورية جداً لجمع ما انكسر من قبل بين الوالد وطفلته حين تمنت له الموت لأنه أراد معاقبته على أحد أخطائها, لكنها خلال العاصفة أيقنت أن من لا أب له مصيره الموت في مثل هذه الأحوال. ثم نشاهد الوالد يعلم الطفلة كيف تصاد السمك بيديها من على قاربهم من أجل العيش, لندرك تماماً مأساة نراها كثيراً في العالم مع الأعاصير والزلازل والفيضانات. تجربة العاصفة كانت بالنسبة لهذه العائلة شيئاً يشبه صراع البقاء ومسألة الوجود, أو ربما هزة ضرورية لإنعاش الأسرة وزيادة ترابطها, حيثما نجد أن ما يربطنا بأسرتنا لا سيما تحت ظروف الكفاح هو سر لا يمكن أن نفهم كنهه يتجاوز أي صعوبة أو اختلاف. وقد استفاد المخرج من مواقع إعصار كاترينا في إعداد تلك المشاهد فنبضت بمصداقية لا يستهان بها ولم تحتج الكثير من التكاليف حتى تصلنا إلى حال الإقناع.
الخوف فطرة أم “حكمة” ؟؟…
قرر رجال “باث تاب” تفجير السد لإبعاد الماء عن قريتهم الغارقة خلف البحيرة, وذهبوا يواجهون ما يخافون منه. وبين أفكارهم يظهر جلياً أن الخوف ليس فقط مسألة فطرية بل اصطناعية أيضاً. فنحن أحياناً نقنع أنفسنا بأننا نخشى أشياء معينة فنصبح بالفعل نخشاها, وما كان دور الجارة التي لحقت بالرجال إلى البحيرة لوقف تفجير السد إلا نوعاً من ذلك الخوف المصطنع الذي نسميه غالباً “الحكمة”.. فما بعد المصيبة الكبرى من مصيبة أكبر؟! فالعاصفة خربّت الأرض, وأنفقت الحيوانات, وهددت البشر بالموت, وهل بعد الموت من خوف.. إذاً فالأمر يستحق المحاولة.. درس آخر من دروس الفيلم لنواجه الخوف.. خوف الجارة كان مما بعد تفجير السد حيث كانت تدرك أن تفجيره لن يمر مرور الكرام على من هم في الضفة الأخرى أمامه, وأنهم سيرغمونهم على ترك وطنهم الحبيب, وعشقها لوطنها البائس المنكوب ورغبتها في البقاء فيه رغم الموت كانت أقوى من أن تجعلها تتحلى بشجاعة الرجال على المحاولة التي قد تؤدي لترك الوطن بالإكراه..

نحن غرباء خارج وطننا مهما كان البديل جميلاً…
بعد أن أُرغم سكان “باث تاب” على الرحيل والانتقال.. وجدوا في الضفة الأخرى عالماً آخر.. عالماً مليئاً بالحضارة.. المستشفيات.. والمدارس.. والحافلات.. والملاهي.. إلا أن حنينهم لبيتهم لم يكن ليسمح لهم بأن يروا حسنات الجانب الآخر. فرغم عمل الناس هناك على مداواة المرضى وتعليم الأطفال تحيّن سكان الضفة الجنوبية أي فرصة تسنح لهم للهروب.. من المفارقات أن الطفلة “هشبوبي” نفسها كانت تعتقد -كما أفهمها سكان باث تاب” أنهم سيكونون أسرى هناك, فعندما دخلت المستشفى مع والدها فكّرت قائلة (إنه لا يبدو كسجن) ولكن كونه مجمع للمرضى فقد كان في نظرها (أشبه بحوض أسماك بلا مياه).. لكن كان واضحاً من تجهمها أنها تحمل الكثير من الحقد للمكان ربما حقد تم تشريبها به له حتى قبل أن تلجه.
آباء الجميع يموتون.. لكن ليس أبي..!
من أحد أكثر المشاهد تأثيراً والتي ينعكس منها عدم قدرتنا على تصديق اهتزاز الثوابت في حياتنا هو الحوار المؤثر الذي دار بين “هشبوبي” ووالدها لحظة الهرب, هناك حيث صارحها والدها بمرضه واحتضاره:
– أنت تحاول التخلص مني..!
– اسمعيني, أنا لا أحاول التحلص منكِ.
– بل تريد!
– أنتِ لا تفهمين, لم يعد بوسعي أن أعتني بكِ أكثر, هل فهمتِ؟ أنا أحتضر! دمائي تأكل نفسها, هل تدركين معنى هذا؟
– لا تقل شيئاً عن الموت!
– آباء كل الناس تموت.
– لكن ليس أبي.
– بل وأبوكِ أيضاً!
مشهد قصير حمل الكثير من الأحاسيس في فيلم تخاله أنه بعيد عن الإحساس كونه عن عالم وحشي.. تم تحميله الكثير من الألم من خلال أداء معبر للوالد ونظرات الحيرة والغضب والتعجب للصغيرة التي مع كل هذا لم تيئس وفضّلت أن تجر والدها للهروب معها على أن تتركه. الرمزية الكبيرة في المشهد تبدو متعددة الطبقات فبين قدرية الموت الذي هو آتٍ لا محالة رغم مقاومة الوالد له عند العاصفة, وبين عدم قدرة الطفلة على فهم طبيعة الموت كسنة في الحياة, وبين إحساسها بأن أثبت أركان حياتها تهتز, يعود إلى بالي مباشرة المشهد الذي تمنت الفتاة لوالدها أن يموت وأيقن مباشرة أن تلك الأمنية ما كانت من القلب أولاً مع رفض الفتاة الآن واقع حال والدها, وما كانت إلا كلاماً في الهواء لعدم إدراك الفتاة حيثيات الموت الحقيقية.

الحياة بين العواطف والمال…
الدرس التالي الذي تعلمته الطفلة كان من نادلة في أحد المطاعم أو الملاهي انجذبت لها الفتاة لا إرادياً, وربما استشعرت بها شيئاً من والدتها الراحلة (التي لطالما كانت الطفلة تناديها وأغلب الظن أنها متوفاة وأن والدها فقط أخبرها أنها رحلت عنهما إلى مكان ما).. يبدو الدرس شيئاً عن التمييز الطبقي فالنادلة هي الأخرى تشكو بؤسها ومتاعبها:
سأخبركِ شيئاً.. وأنتِ صغيرة يخبرك الناس أن حياتك ستكون سعيدة ومقنعة وكل ذلك الهراء… لكنني سأخبرك بأن هذا غير صحيح.. وأن عليكِ إبعاده عن رأسك على الفور.. لأن الحياة مجرد وليمة كبيرة.. لكن أنتِ.. ما أنتِ إلا نادلة غبية..!
الإنجذاب الذي حصل لـ”هشبوبي” نحو النادلة يؤكد حاجة الطفولة للحنان, فالطفلة الصاخبة المتمردة البرية أصبحت مع النادلة طفلة تصغي فقط وتنصت باهتمام لكلماتها. وما يؤكد هذا الاتجاه أنها خلال رقصة مشتركة بينهما كانت الطفلة تحضن النادلة كأنها أمها, سألتها إذا ما كانت قادرة على الاعتناء بها هي ووالدها.. ويبدو في هذا المشهد الاحتكاك الأول للطفلة بمشاعر الحنان الأمومية وبالطبقية المالية.. تلك الأمور غير الموجودة أساساً في مجتمع “باث تاب”.
بالشجاعة نواجه مخاوفنا…
مشهد تجاهل الصغيرة للماموث المخيف الذي تخشاه كل الناس, ثم استدارتها تجاهه لتقول له (أنت صديقي نوعاً ما!) ثم عودة الطفلة إلى أبيها المحتضر بعد أن حاولت أن تجلب له ما قد يساعده على استمرار الحياة, هو مشهد مليء بالإيحاءات التي تحرضنا على الجرأة لمواجهة ما نخشاه لكي لا تسيطر علينا, وبالقدرية التي تتحكم بمصيرنا آخر الأمر.. ثم كان من الطفلة أنها نفذت وصية والدها ولم تبكِ مواجهة بشجاعة أقسى الخيارات التي تخيلتها في حياتها للأطفال اليتامى. ربما هي شجاعة اليائسين الذين لا خيار أمامهم لكنها تظل أمراً غير سهل.

اختار المخرج “بينه زيتلين” ممثلين غير محترفين في جميع الأدوار, وقام بتصوير الفيلم من خلال عدسة 16 ملم , واختار التصوير الخارجي الذي لا يحتاج الإضاءة ولا الاستديوهات, واستغل مواقع الأعاصير الفعلية لا القيام صناعتها, كل ذلك بغية تخفيض التكاليف للمحافظة على ما يريد إيصاله دون ميزانية كبيرة أو تقديم تنازلات فقدم ما يريد ضمن قواعده الخاصة وأسلوبه المحض, مازجاً مآسي الحياة وفلسفتها مع مشاهد قد تبدو مألوفة كونها بالفعل واقعية. فكان له التقدير الكبير الذي بدأ يحيط به بدءاً من اختيار عمله للمنافسة في مهرجان كان ثم خطفه للكاميرا الذهبية فيه, فضلاً عن توقعات باتت تحوم حول الصغيرة (كوفينزاني واليس) حتى لترشحها للأوسكار. موسيقى العمل كانت موسيقى ناعمة مؤثرة تتأرجح نحو الجانب الطفولي كأنها في بعض الأحيان هدهدات سرير رضيع. قد يعيب الفيلم خلال تعمقه الواقعي الفلسفي نظرته للطفولة التي باتت أكثر فلسفة من العمر الذهني للطفلة, أو التطور المفاجئ غير المفهوم في شخصية الوالد الشرس اللامبالي إلى الحنان, ثم أنه يبدو غير مقتنع نوعاً ما بالمفاهيم الاجتماعية وطرق العيش الحضارية, أو التباهي بالفوضوية والعنف.. إلا أن هذه العيوب قد نتجاوزها ببساطة لو عدنا إلى مبدأ أنه طرح أفكار مطعم بخيالات طفولية.
“وحوش البراري الجنوبية” فيلم كالحلم يحاكي الكثير فينا مما وراء الصورة, ربما لو تتح له الفرصة لمر مرور الكرام دون أن نعرف حتى بوجوده لعدم وجود أسماء كبيرة فيه تغرينا, لكن من حسن حظنا وحظه أنه قد وجد هذه الفرصة كونها كانت كفيلة بتعريفنا بواحد من أفضل أفلام العام.
مقال هايل .. أعدت قراءة الفيلم لي .. بالتوفيق 5/5 ..