The Dark Knight Rises – 2012

“A hero can be anyone. Even a man doing something as simple and reassuring as putting a coat around a little boy’s shoulders to let him know that the world hadn’t ended.”

“I’m not afraid. I’m angry.”

بقلم مهند الجندي.

سوءاً كان ما شاهده ألفرد في المشهد الأخير حقيقةً أم أمنيةً من محض مخيلته، فقد صعد الرجل الوطواط من ظلمات الجحيم إلى النور.

بينما يتلوى بصيص الأمل في قبضة اليأس، ثمة شعور متصاعد بغضب هائل قادم لا محالة مع مرور أحداث فيلم (فارس الظلام ينهض) للمخرج كوريستوفر نولان، ولا يؤخر ظهوره سوى حزن دفين بنفس رهبته يهب بمشاعره بين المشهد والآخر، وتلك الحرب القادمة بين ضحايا الظلم وقتلة الظلام، وكيف ترجمها كل واحد منهم وما تحمله بسببها. يواجه بروس واين في الجزء الأخير من ثلاثية نولان – الأفضل على الإطلاق حول هذا البطل الخارق – العقبة المستحيلة تلو الأخرى، وبأسلوب سردي عصيب ككرة ثلجية مهولة تضيق الخناق على المشاهدين بكل لحظة، تجمع في برودتها القاسية أفكاراً مجازية لا يمكن تجاهلها حول ثورات الشعوب وفروق الطبقات الاجتماعية وأشكال الإرهاب وصفات البطل الحقيقية في زمن جفّت فيه المبادئ وسالت به الدماء واضمحلت به صورة الشرفاء، كل هذا وذاك تحت أنظار وعلى مسامع رجلُ وطواطٍ باتت ذكراه نقشاً على حجر.

 لم تعرف السينما الأمريكية منذ سلسلة سيد الخواتم على وجه التحديد ثلاثية أخرى تقترب من شعبيتها، حتى اكتملت هذه الثلاثية، وإن اختلفت بشكلها وفحواها (وجمهورها؟). والأكيد أن الجمهور لم – وربما لن – يشهد مثيلاً لفهم نولان لقصص الرجل الوطواط، ولم يتوقعها حتى منذ عام 2005 في جزئها الأول، والثاني في 2008. فالمعالجة التي انتهجها المخرج وشقيقه جوناثن في كتابة السيناريو والحوار المستوحى من قصة ديفد إس. غوير، بتوظيفها لقدرات الفيلم الصيفي وميزانيته المفتوحة واستغلال سمات شخصية الرجل الوطواط الداكنة، ومن ثم قلبها رأساً على عقب، فتندس بين نزاهة الرجال وتختبر قيمهم، بسوداويتها ونظرتها القاتمة للعالم المعاصر والبحث في أصول الشر واليأس الكامنين في نفس كل واحد منا. كيف لا وبروس واين كاد يقتل غريمه على عتبات المحكمة في الجزء الأول، كيف لا ومعلمه كان غريمه الأول “رأس الغول”، كيف لا والجوكر يضحك بوجهه قائلاً: “أنت تكملني،” كيف لا وجميع خصومه أتوا من نفس عالمه السفلي، كيف لا ونحن نضع أنفسنا مكانه ونهتف له في كل مشهد، ونشعر بضعفه وأتراحه كإنسان عادي رغم قواه الخارقة؛ فمن أهم إنجازات هذا الجزء هو أننا نكاد نسمع ونستشعر بالموت يهمس في أذن باتمان بأي لحظة “أنا قادم”.

 تبدأ مجريات هذا الجزء بعد ثمان سنواتٍ على نهاية (فارس الظلام)، مع ومضة من الذكرى الثامنة لموت هارفي دينت وجملة من خطاب جيف غوردن (غاري غولدمان) في الحفل. بيد أن الجريمة المنظمة التي يحتفلون بخلو مدينة غوثام منها، نراها تحدث على يد جماعة مريبة بقيادة رجل ضخم الجثة بقناع مريب يدعى باين (توم هاردي)، حيث يختطف دكتور فيزيائي اسمه بافل (ألون أبوتبول)، خبير بالقنابل النووية، والهدف هو تدمير المدينة وتحويلها إلى رماد، وبالتالي السيطرة عليها. في هذه الأثناء، نشاهد بروس واين (كريستيان بيل) يعيش مصاباً بجسده وقلبه وفي عزلة كاملة مهيمناً عليه شعور الفشل، فقد تسبب بقتل الكثيرين، وغيابه ساعد بتلاشي العصابات. نكتشف حاله المزري مع تسلل خادمة (آن هثواي) إلى مقره الخاص داخل قصره، يتضح أنها سارقة محترفة وتتمتع بلياقة القطة وقواها الماكرة. بيد أن مواصلة باين لأعمال هدم بينة غوثام التحتية وتفجير عدد من معالمها الرئيسية، يجبر بروس واين والرجل الوطواط للبدء من الصفر، فينفض ماضيه المرير عن كتفيه ويواجه أقوى أعدائه وأكثرهم وحشية.

 ينتاب المرء شعور دافئ وهو يشاهد الفيلم بأن نولان يعمل بعاطفة جمة وحساسية عالية في هذا الجزء أكثر من سابقيه، لكن دون المبالغة بذلك أو استدراج شيء مفرط من اهتمام المشاهدين. قد يعود السبب أنه يودع السلسلة للأبد كمخرج – كما صرح – ولأنه يبحث عن خاتمة شمولية وحلول مؤثرة بنفس الوقت، ولأننا أصبحنا على معرفة وطيدة بهذه الشخصيات وتقربنا منهم بشكل كبير. ندرك هذا العنصر بالتحديد من أسلوب تبلور تاريخ الشخصيات مع بعضهم ضمن القصة على مدار الأجزاء الثلاثة. أبرز تلك العلاقات هو بين ألفرد (مايكل كين) وبروس، الخادم المخلص والمحب – الذي تولى تربية بروس وكان بمثابة الوالد له طوال حياته – هو تذكرتنا إلى هذا العالم؛ فلا نشعر بعمق جراح الرجل الوطواط الجسدية والنفسية إلا من الحوار الذي يتبادلانه، وخوفه عليه والطريقة التي يرى بها مصلحة الصبي الذي فقد أغلى ما يملك أمام عينيه منذ نعومة أظافره. وحتى الشخصية الجديدة كليا المتمثلة بالشرطي روبن (جوزيف غوردن-ليفت) الذي يشترك بطفولته اليتيمة مع بروس واهتمامه بأطفال الميتم، فهي تترك أثراً منعشاً لم نشهده من قبل، كحليف يؤمن بإستراتيجية عمل الرجل الوطواط، ناهيك عن غوردن وفوكس (مورغان فريمان). 

 ويبرز كذلك في هذا الجزء النسق الملحمي للأحداث بسرعته وضخامة عناصره الإنتاجية من كل جانب؛ فنولان يبني ويهندس المواجهة الأخيرة العصيبة ونهايته الدرامية بسرد لا يعرف التوقف ولا يستريح بتاتاً، وبمشاهدٍ حركيةِ مشبعة للغاية ومصممة برقي مذهل. شخصية باين الشريرة تشكل اختياراً نوعياً مختلفاً عن ما كانت عليه خصال الجوكر في (فارس الظلام)، إنما هو من ذات البؤرة التي أتى منها رأس الغول، والممثل توم هاردي يؤدي مهمته البدنية على أكمل وجه، وإن كان حضوره أو دوره يفتقر لما تمتع به الجوكر من روح شيطانية أو سخرية أو أبعاد نفسية، لكن أي من ذلك لا يعيب أهمية شخصيته ضمن العمل (مع وجوده كإشارة خاطفة لاحتجاجات “احتلوا وول ستريت” التي بدأت في نيويوك بتاريخ 17 سبتمبر 2011). المفاجأة السارة غير المتوقعة أبداً بنظري نتلقاها من الممثلة آن هثواي بدور المرأة القطة، فهي تمحو كل ما عرفناه سابقاً عن تنفيذ باهت لهذه البطلة الخارقة في أفلام مثل (عودة الرجل الوطواط) لعام 1992 و(المرأة القطة) في العام 2004، لأن هثواي هي روح الفكاهة شبة الوحيدة في الفيلم لما تقدمه من إثارة وسلاسة ولباقة سواءً بحوارها المشاكس أو عراكها الكاسح. كما أن دورها لا يقتصر على ذلك، بل يلمح أيضاً لفقر اجتماعي محبط يلحظه الرجل الوطواط أخيراً.  

 لن تجد هفوات جسيمة في (الرجل الوطواط ينهض)، إلا إنه لا يخلو من بعض العيوب الطفيفة، برأيي على الأقل. أهمها هو اختيار نولان بعزل الرجل الوطواط لمدة ثمان سنوات؛ خلال قراءتي لتاريخ الشخصية في القصص المصورة وعدد كبير من آراء محبيه الأجانب، وجدت أن هذا يخالف سمات عمله كلياً، الرجل الوطواط لا ييأس أبداً، ولا يتنحى عن مهمته لموت حبيبةٍ له أو حليف. وحتى إن وضعنا القصص المصورة جانباً وأعطينا نولان حرية الاختيار لمصلحة منطقية في السيناريو ومضاعفة أعباء شخصيته الرئيسية وهمومه، أرى أن المدة مبالغ بها جداً وتنافي ما أحببناه فيه، خاصة أننا نتحدث عن بطلٍ لطالما شحنته الخسائر والعثرات، بينما فكرة الانسحاب والاكتفاء بدور المتفرج تبدو بعيدة كل البعد عن ذلك. أنا متفهم لرغبة المخرج وشقيقه بتجسيد بروس واين كرجل اعتيادي وحصر قدرات البطل الخارق فيه لأكبر قدر ممكن (خاصة في عدم الحاجة لبطل في وقت السلام كما نسمع في البداية)، لكن ماذا كان يفعل طوال هذه المدة برأيكم، يشاهد أخبار الطقس وبرنامج أوبرا مثلاً؟

 ورغم ذلك، ينجح نولان بإخراج فكرته الفذة حول عالم رجل وطواط واقعي كامل، وينهي سلسلته مرتكزاً بقوتها على قصة بروس واين الشخصية كإنسان أكثر من مشاهدها الحركية المبهرة، وهذه غاية كانت صعبة التطبيق حتى أتى نولان ووضع بصمته التي لا تنسى عليها. ولا أعتقد أن جمهوره كان يحلم أو يفكر بوجود نهاية أفضل من التي يحصل عليها هنا، وهو جزء لا يتجزأ من أسلوب هذا الفنان المبدع، الذي يحترم ذكاء المشاهد ويمنحه القدرة على تحديد مصير أبطاله. 

IMDb | RT

أفاتار غير معروف

3 أراء حول “The Dark Knight Rises – 2012

  1. شكراً استاذ مهند على هذا المقال الأكثر من رائع
    الصراحه استمتع كثيراً بقراءة مراجعاتك وهذه المرة الثانيه التي اقرأ فيها هذا المقال
    لا استطيع ان اقول اي شي من كثر عشقي الهستيري بـ العبقري كرستوفر 🙂

    طبعاً الاخطاء التي ذكرتها لاحظتها في مشاهدتي الثانيه للفلم وتساءلت لماذا كل هذه المدة في انعزال بروس
    لاكن في النهاية لم تؤثر هذه التسؤلات على متعتي في الفلم والطريقة النولانيه التي اعطت اجمل نهاية لباتمان ممكن ان يحلم بها عشاقه

    تحياتي لك …

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading