Hanna – 2011

“You didn’t prepare me for this.”

ترجمة مهند الجندي عن جيمس برارندلي.

إن فيلم (هانا) السوداوي والموجع والمؤجج بالتشويق هو عمل غير متوقع من المخرج جو رايت بعد تقديمه لفيلمي (كبرياء وهوى) و(كفارة). ومع هذا فقد صدر فعلاً: إثارة مخادعة ومبتكرة تدين بروحها لأفلام مثل (فرانكنشتاين) و(الأخوة غريم) و(برتقالة منتظمة) و(المحترف) و(هوية بورن) والمخرج “ديفيد لينش”. ورغم أنه سيكون تعليقاً مبالغاً بوصف الفيلم بالـ”متكامل”، إلا أنه عمل مثير يحمل عمقاً وإقناعاً أكثر من تلك الأفلام الموترة والغامضة المعهودة. كما أنه يملك إضافة النهاية “المستقيمة”؛ بمعنى أنها توفر أجوبة واضحة للأسئلة المتعددة التي يطرحها الفيلم.

 يفضل المخرج رايت أن يُعرف الفيلم على أنه عمل درامي يحتوي على مقاطع حركية، بيد أن وصفاً كهذا قد يشيح التركيز عن أسلوب سرده المثير والقاسي. ثمة بعض العناصر الدرامية للقصة فعلاً، وهي ضرورية لتطور الشخصيات والتقدم الروائي، لكن الحبكة الحقيقية تكمن في الغموض حول طبيعية الشخصية الرئيسية والتشويق المرافق لمشوارها من العزلة إلى الواقع المعاصر. ويوزع الفيلم تسلسل أحداثه بتتبع الرحلتين المنفصلتين لهانا (سواريس رونن) ووالدها إريك (إريك بانا)، وهما يشقان طريقهما على حدا ضمن المجتمع حتى يجتمعان معاً.  

 لقد أمضت هانا معظم فترات حياتها في براري فنلندا الصعبة، وتعلمت من والدها كيف تكون قاتلة من الطراز الأول. أساليب تعليمه لا تعرف المسامحة، وتدريباتها كانت مؤلمة. والآن بعد تجاوزها سنين مراهقتها، قررت الانخراط في المجتمع. ومهمتها الأولى تتطلب اختراق نظام حكومي أمريكي محمي في أوروبا وقتل ماريسا ويغلر (كيت بلانشيت)، المسؤولة عن موت والدتها. بينما يتوجه إريك شمالاً حتى يجتمع مع ابنته في برلين حال “موت الشريرة”. تسير الخطة كما هو مطلوب، إلى أن يتم تزييف مواجهة “ماريسا” مع هانا بامرأة أخرى. وبعد هربها من الموقع المحصن الذي احتجزت داخله للتحقيق معها، تصبح هانا فريسة في لعبة مطاردة مع ماريسا الحقيقية، التي تلاحق إريك، والعكس صحيح.يبل

 يتضح غموض رايت البصري طوال مجريات الفيلم، ومع أنه يقلل من لقطاته المبهرجة، فالفيلم يتمتع بمظهر رائع (ولا وجود لأي مشاهد طويلة كالتي ظهرت في فيلم “كفارة”، وهي مشاهد يجدها بعض المشاهدين والنقاد بأنها نرجسية). فاللقطات مركبة بعناية ولغاية مقصودة. وبعض المشاهد الأولى بالعمل في الثلج تحمل إبهاراً سالباً للأنفاس، والصفاء الذي صورت به مشاهد الحركة (خاصة الذي تهرب به هانا من آسريها، ومواجهة إريك لأربعة خصوم في “ساحة” للأعمدة) تذكر المرء بقيمة الكاميرا الثابتة (بدلاً من تلك الهائجة).

 كما أن التشبيهات الخيالية تظهر بشكل مباشر ببعض المراحل – من المستحيل أن يفوتك رأس الذئب عند وصول ذروة العمل – وهي حاضرة طوال أحداث الفيلم. ثمة بعض الاستعارات من رواية فرانكنشتاين للكاتب ماري شيلي، ولن يسهل التحدث بأية تفاصيل أكثر دون إفساد القصة، لكن هانا صُقلت على يد والدها وأُدخلت معترك الحياة دون معرفة عن هويتها أو سبب وجودها. وهنالك مشهد تقوم به بالتجسس على عائلة مشغولة في أمور اعتيادية سعيدة تذكرنا بلحظة ما من الرواية. أضف إلى أن تأثير ديفيد لينش وفيلم برتقالة منتظمة يخيمان أكثر شيء فوق شخصية ايزاك (توم هولاندر) الذي تصل قسوته المفرطة المرحة أحياناً إلى مستوى كوميدي داكن.

 إن أداء سواريس رونن لشخصية هانا مميز بحق، وهي الممثلة الموهوبة التي نالت ترشيحاً لجائزة الأوسكار عن أدائها في فيلم “كفارة”. تجسيدها فظ وبارد على الأغلب، وهي خصال توائم امرأة شُكلت لتكون قاتلة في البراري القارصة، لكن ثمة لحظات نراها وهي تذوب. في إحدى المشاهد، تغمرها “عجائب” التكنولوجيا الحديثة (كالإضاءة الفلورسنتية والتلفاز) والذعر يملأ ملامحها. وفي مقطع آخر، تصادق فتاة من جيلها وتجد صعوبة بفصل مشاعرها الصديقة عن العاطفية. كان من السهل أن تظهر لنا شخصية هانا كالآلة؛ غير أن رونن توفر لها الحس الإنساني.    

 ويضم الطاقم الثانوي ممثلين مقدرين – إريك بانا وكيت بلانشيت – وكليهما يملك مشاهداً رائعة. وإن كان هناك عامل سلبي لأدائهما فهو يكمن بلكنتيهما المضللة للمشاهد (فبانا ألماني وبلانشيت أمريكية). وأوليفيا ويليامز وجيسون فلمينغ لديهما دورين صغيرين لكن مهمين. 

 علماً أن الموسيقى الممتازة التي وضعها الأخوين كيميكال تعد مهمة بقدر تصوير ألوين كوشلر لخلق الحالة النفسية المطلوبة وتصعيد حدة التوتر. وبينما يتم ملاحقة هانا على الدوام وأحيانا تبدو عالقة دون مكان للهرب، ثمة لحظات قد تضع المشاهد على حافة الكرسي من شدة الإثارة. المخرج رايت لا يسمح أن تفوت هذه المشاهد عبثاً. ومع أن (هانا) ليس فيلماً حركياً بحتاً وصاخباً، إلا أن طريقة السرد سريعة وواضحة، وكأنها جزئيات من حكاية “هانسيل وجريتيل”، التي لا تمنع من زيادة جرعة العنف فيها. إنه عمل مثير من الدرجة الأولى وأحد أفضل أفلام النصف الأول من عام 2011.   

IMDB | RT

أفاتار غير معروف

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading