Good Night, and Good Luck – 2005
“We will not walk in fear of one another.”
كتبها مهند الجندي بتاريخ 21 نوفمبر 2005.
فيلم سياسي إعلامي صحيح. دوامة أمريكية سياسية بدأت في الخمسينيات ولم تنتهي حتى وقتنا الحالي، تتكلم عن الديمقراطية والحرية الفعلية المزعومة في الولايات المتحدة الأمريكية، عن الشعب الأمريكي المجمع وسهولة التفرقة بينهم وعن دور الإعلام في محاربة الطغيان. من المؤكد أنك تتساءل لماذا يهتم نجم محبب ورمز وسامة شهير مثل جورج كلوني بإخراج وكتابة فيلم تجري أحداثه في الخمسينيات، مصور بالأبيض والأسود، يركز على العلاقة القديمة بين مذيع الأخبار إدوارد مورو وصائد الشيوعيين السيناتور جوزيف مكارثي. لا تتعجب، كلوني يعرف تماماً ماذا يفعل: ينفض الغبار عن تاريخ التلفزيون القديم، أهميته وجرأته وأحقيته وصراحته، مقارنته بالتلفزيون المعاصر الذي يبدو كأنه راعي للبيت الأمريكي، وممتلئ بكل ما هو تقليدي وغير مؤثر في حياة الشعب. كما قال إدوارد مورو في خطابه عام 1958 الذي يصف فيه دور التلفزيون: “يصرف الانتباه، يضلل، يسلي ويعزل”. التحدي فيه هو لعبة الفاشلين.
مع إخراجه لفيلمه الثاني بعد (اعترافات عقل خطير) يقدم جورج كلوني أكثر أفلام عام 2005 أهمية وأكثرها جاذبية، ويضع نفسه في قائمة أبرع المخرجين الجدد. لا يعد الفيلم درساً في التاريخ الإعلامي السياسي أو تمثيلاً لأمراض التلفزة وأنظمتها المحبطة فحسب، إنما أيضاً هو درس في كيفية صناعة فيلم اقتصادي جيد (كلف 8 ملايين دولار فقط) يتطرق إلى مواضيعه بأبسط السبل وأسرعها وصولاً إلى ضمير المشاهد.
يحزن المجتمع الأمريكي الحالي على عدم وجود أثر لنمطية العمل وإخلاصه كما توفر في شخصية إدوارد مورو، فقد كان قبل نصف قرن أكثر صحفيين العاملين في الاختراع الإعلامي الجديد ألا وهو التلفاز شهرة واحترماً. مواده التي أذيعت في الراديو من على الخطوط الحربية خلال الحرب العالمية الثانية جعلت منه أسطورة، وسعيه الدائم والحثيث وراء الحقيقة أكسبه احتراماً عاماً مستمراً وصورة البطل الوطني الأمريكي، حتى وإن اضطر أن يوازن بين الأخبار الجدية في أشهر برامجه “شاهده الآن” مع بعض المقاطع العادية في البرنامج الثاني “من شخص لشخص”.
يستعرض الفيلم معظم أحداثه خلال السنتين 1953 و1954، كاتبي الفيلم جورج كلوني وغرانت هسلوف يضعانا مباشرة في خضم الصراع، حيث نشاهد مذيع الأخبار إدوارد آر. مورو (ديفيد سراثرن) وطاقم الموظفين يخاطرون بمستقبلهم المهني من أجل عرض خبر لاذع النقد على قائمة جوزيف مكارثي السوداء التي فرضها على المواطنين الأمريكان المواليين المتوسطي الحال. إنها حركة مغامرة، لكن مورو له نظرة صائبة في هذا الاستهداف الاستبدادي من مكارثي – ألا وهو إرسال الخوف وفزع كبير واسع الانتشار إلى قلوب المشاهدين عن أهداف هذه الطبقة التي تلمح إلى تهديد شيوعي خطير. تختلف الآراء وتتناقض الأفكار ويطرح السؤال إن كان من حق مورو كتابة مثل هذا الهجوم بالأساس، حيث يقول له رئيس محطة سي بي إس وليام بالي (فرانك لانغيلا): “عملك أن تقرأ الأخبار، لا أن تصنعها،”. بينما يواصل فريق مورو البحث ويتمكن فتح تحقيق حول أعمال مكارثي القذرة.
مورو مراسل بارع، كان يعرف أن هناك خط يجب أن لا يتعداه، يبقي نفسه خارج القصة ولا يتحيز مع أي طرف في القضية. لكن عندما علم عن موضوع ميلو رادولوفيتش وهو طيار بحري تم إبعاده عن الخدمة لأنه رفض ترك أبيه، الذي شوهد وهو يقرأ صحيفة صربية، يقرر مورو أن الوقت قد حان لاتخاذ موقف ما. مع دعم منتجه فريد فريندلي، يٌرسل فريقاً من محطة سي بي إس لمقابلة رادولوفيتش وعائلته. حُكم على رادولوفيتش أنه مذنب بدون محاكمة، وكل التهم بقيت سرية. شعور فظيع أن يحكم عليك وأن لا تستطيع حتى أن تسمع ما هي التهم الموجهة لك، هذه القضية أشعرت مورو وفريقه باستياء مرير، وبالرغم من التحفظات على مقابلة رادولوفيتش التي من الممكن أن تدخلهم في بعض المشاكل مع الحكومة والشركات المعلنة، فإن إدارة المحطة سمحت له بعرض قصة الطيار، كما يدفع السيناتور مكارثي الذي كان في منتصف حملته المعادية للشيوعية أن يرد على هذه الفعلة. يقول الفيلم أنه لا يشترط أن تكون مشهوراً كي تدخل إلى قائمة مكارثي السوداء، لقد حدثت للكثير من الناس الذين انتهكت حرياتهم المدنية بدون دليل واحد.
معظم الأفلام المبنية على وقائع تاريخية تبتعد عن الحقائق لكي تبتدع مستوىً أكثر إثارة من الدراما، لكن الصراع بين مورو ومكارثي حاد جداً لدرجة أن المخرج جورج كلوني لا يحتاج أن ينحرف أو يختلف بشيء عن التاريخ. نكتشف أن الأحداث تظهر في الفيلم كما كانت في الحياة الحقيقية. وهذا يصل إلى حد أنهم لم يختاروا أي ممثل للعب دور مكارثي، فيعتمد كلوني على أفلام أخبار أعضاء مجلس الشيوخ لتجسيده. هذا يضيف إحساس من الواقعية الجامحة والمثيرة في آن واحد، والقرار في تصويره بالأبيض والأسود وعدم استعمال آلات موسيقية تعطي الفيلم ملمساً وثائقياً قوياً وصارماً. فنشعر أننا نجلس في اجتماع إخباري لطاقم محطة سي بي اس أو في غرفة تحكم من الخمسينيات، لا يبدو أن الفيلم بذل مجهوداً لالتقاط معالم تلك الحقبة، التفاصيل موجودة ببساطة.
ويتعامل الفيلم مع مواضيعه بطاقة ملحوظة في السرد، ويفترض نفس هذا المجهود من الجمهور الذي سيشاهده. لا يشرح من كان مورو الصحفي الرائد في مجاله، أو من هو جوزيف مكارثي “عضو مجلس الشيوخ ومتعقب الشيوعيين”، بل يقفز إلى خضم المشكلة في الخمسينيات ولا يهدأ طوال الـ93 الدقيقة التي يعرضها.
يلعب جورج كلوني دور فريد فرينلدي، منتج مورو الخاص، وروبيرت داوني جونيور وباتريشا كلاركسون بدوري كاتبي ومنتجي البرنامج، جيف دانيلز أيضاً المنتح سيج ميلكسون، وفرانك لانغيلا بدور رئيس محطة سي بي إس. وكلهم يقدموا أداءات مناسبة ومعبرة. إلا أن النجم الأوحد والحقيقي للفيلم هو بلا شك ديفيد سراثرن، دائم المسك للسيجارة، يحدق في عدسة التصوير، يبدو أنه يحمل أعباء العالم على كتفيه، سراثرن يستحق ترشيح للأوسكار على أقل تقدير، يبرع في إبراز روح وسلوك ذلك المذيع المعروف.
تميز هذا الفيلم أولاً وأخيراً يعود إلى جورج كلوني، الذي يعتبر هذا الفيلم رسالة شخصية، فوالده كان مذيعاً لأخبار، وقد اعتاد في صغره مشاهدة برامج إدوارد مورو، فشهد الأهمية التي اكتسبتها تقاريره بشكل عام وفي تلك الفترة بشكل خاص، وينزعج من هشاشة دور التلفاز في الوقت الراهن. بالتأكيد الفيلم لن يكون ذو نجاح بارز على شباك التذاكر، لكن كلوني أنجز ما هو أصعب وأهم: صناعة فيلم مسلي موتر بقدر ما هو مفيد وجريء أكثر مما هو معتاد من هوليوود.

