نظرة أولى: نتلي بورتمان في“البجعة السوداء”

“المعالج الطبيعي كان يقدم لي علاجاً حقيقياً في المشهد الذي ظهر فيه. أما دارين كان يقول ‘استمرِ بالتصوير، ابقي داخل الشخصية، تكلمي بصوت شخصيتك’!”
أراد دارين أرنوفسكي صنع الفيلم التالي: راقصة باليه مكبوتة تدفع بنفسها أكثر من اللازم لتحقق هدف حياتها، وقد تفقد عقلها في فعل ذلك. يتطلب الدور تدريب منهك على الرقص وتغيير جذري في المظهر وإبراز مجموعة من المشاعر العميقة البشعة، فكيف تم ذلك؟
تقول نتلي بورتمان أنها احتاجت عقداً من الزمان كي تقنع المخرج ليصنع فيلم (البجعة السوداء).
تضيف الممثلة: “لقد تكلم معي حول العمل منذ 9 سنين ماضية؛ وكنت وقتها لا أزال طالبة في الجامعة وكان هو قد فرغ للتو من تصوير فيلم Requiem of a Dream ورغبت بالعمل معه طبعاً. فظللت أحوم فوق رأسه حول الفيلم – البجعة السوداء – مع مرور السنوات لأن أحداً لم يتابعه، وهو استمر بالعمل ضمن أفلام أخرى. وفي نهاية المطاف، قبل عام من بدء تصويره، اتصل بي وبيده السيناريو (كتبه كل من مارك هايمان وأندروز هاينز وجون مكلغلن)”.
سبق لبورتمان أن تدربت على رقص الباليه في طفولتها وواظبت على القليل من ذلك إلى الآن، لكنها عرفت بأنها بعيدة جداً عن المستوى الذي يجب أن تصله إليه كي تكون مقنعة بتأدية شخصية نينا.
وتواصل بورتمان حديثها والابتسامة البراقة تكسو وجهها في غرفة داخل فندف W في هوليوود: “لم نجد التمويل اللازم للفيلم فشرعت بالتدريب لوحدي، فكنت أتصل بدارين وأقول له أنني في حصة الباليه، تعال وشاهدني. حاولت جاهدة ضمان أن يكون هذا الفيلم هو مشروعه الإخراجي القادم. ثم تمكن المنتجون من جمع المال قبل ستة أشهر من بدء التصوير تقريباً، وكانت ردة فعلي كالتالي ‘حسناً، حان وقت العمل’. كنا نعمل لساعتين يومياً، ثم إلى خمس ساعات – بالإضافة للسباحة والدندنة وثلاث ساعات من التدريب على الباليه. وثم بتنا نعمل لثماني ساعات يومياً لأننا أضفنا تصميم الرقصات“.
“بعدها، تبخر المال من أيدينا.”
“لقد كان أمراً مهلكاً للأعصاب، وهو بنفس الوقت الشيء – المال – الذي تفتقر له راقصات الباليه. لذا لم أكن آكل كثيراً، بل أعمل كالمجنونة، فزاد من إصراري في بذل مجهود أكبر وأكبر، مما كان مفيداً جداً لأنه وفر لي مزيداً من الوقت للتدريب.”
بينما كان للمخرج أرنوفسكي بعض التحفظات رغم تفاني بطلته الرئيسة الكامل للدور. فهل يمكن للممثلة المرشحة السابقة للأوسكار أن تكون فنانة في مجال آخر؟
يقول المخرج في مقابلة أخرى: “كنت لا أزال قلقاً قبل شهرين من بدء التصوير، لكن المسألة تيسرت بعد شهر واحد. فجأة بدأت أرى موهبة بورتمان الفطرية تبزغ أمامي من خلال حركاتها ‘آه، نعم ستتمكن من التمثيل أثناء قيامها بالرقص’ وهذه كانت المرحلة الثانية. كنت مقتنع بأنه يمكنني العثور على راقصة أفضل من نتالي، لكني لن أجد راقصة تمثل أفضل منها. فتحول فلقي إلى ‘هل يمكن لها أن تؤدي والتعبير عن أحاسيس وهي ترقص؟’ وهو بنظري إنجازها التمثيلي الأهم في الفيلم“.
تضحك بورتمان لسماعها هذه الملاحظات من المخرج.
وتتابع الممثلة حديثها: “أنا لا أحرم نفسي من أي شيء في حياتي الخاصة أبداً، فأحب الطعام والتسلية، وأحب وجود بضع الوزن على خاصرتي. وشخصيتي تناقض الدور الذي ألعبه. لذا أكملت حياتي على طبيعتها حتى الرمق الأخير ‘حين يجمعوا المال، أبدأ بتطبيق حمية الطعام!’. واللحظة التي رآني بها دارين وأنا أبدو كراقصة باليه، كنت مليئة بالقوة والنشاط. وعندها أيضاً بدأنا بتحسين الرقصات لأفضل مستوى ممكن لأننا عملنا عليها لشهرين، بالتالي باتت الأمور تكتمل من كل جانب.”
يقول أرنوفسكي أن عدد الإصابات التي وقعت للراقصات في فيلم (البجعة السوداء) كان أعلى من الكدمات التي شهرت فيلمه السابق (المصارع). فيحكي عن حدوث كسر لأظافر الأقدام وتعرض بطلته لخلع في أحد أضلاعها.
والآن لا تجفل بورتمان كثيراً عند تذكرها هذه الأمور: “حين رفعت من على الأرض شعرت أن الضلع أزيح من مكانه. فهو ينزل تحت ضلع آخر مجاور له. لذا فإن الأمر كان خطيراً، والمعالج الطبيعي كان يقدم لي علاجاً حقيقياً في المشهد الذي ظهر فيه. أما دارين كان يقول ‘استمر بالتصوير، ابقي داخل الشخصية، تكلمي بصوت شخصيتك’!”.
ذاك الصوت المرتجف والأنثوي والضعيف كان جزاءًا من تحول بورتمان البارع، الأداء الموزون الدقيق الذي كونته لتبتكر شخصية حقيقية ورمزية بنفس الوقت.
“لاحظت أن كثيراً من الراقصات اللواتي قابلتهن لديهن أصوات جهورية. وهو جزء من الطريقة التي كبروا بها في تلك الشركات. إنه فن بطلاته من النساء وعادة ما يديره الرجال. فينشئن بجسد نحيل جداً، وإن تتبعت لأي شركة لا تركز على الجسد النحيل ستلاحظ بأنهن يقمن بنفس الحركات الجسدية لكن بجسم مختلف“.
“ثمة عدة أنواع من الأجسام؛ هناك راقصات نحيلات يتمتعن بصحة جيدة، لكن كثير منهن يحرمن أنفسهن كثيراً. وهذا الحال يشبه معاملة النساء كالأطفال، بعدم السماح لهن التمتع بجسد نسائي كامل أو الحصول على رفاهيتهن الخاصة“.
“جزء من تحول الذي يطرأ على نينا هو عثورها على متعتها الخاصة، ودخول أحد ما داخل جسمها ومشاهدة العالم عبر عينيها، وهذا ما يجعلها فنانة. فهي تقتل الفتاة الصغيرة الساكنة فيها وتصبح امرأة في النهاية، مع كل متطلبات الأنوثة ومعطياتها“.
وتقول الممثلة المتخصصة بعلم النفس من جامعة هارفارد أن هذا الفن يصبغ نفسه بلون ما تطلق عليه بالــ”سلوك الاستحواذي القهري” الذي تمر به نينا، فأفعالها غير عادية حتماً، بيد أن حركات البالية تبدأ مع الراقصة من الجذور على هذا الأمر.
“أحياناً تضطر لتغيير ثلاثة أزواج من الأحذية في اليوم الواحد، وميزانية مركز نيويورك للبالية بالنسبة للأحذية تصل إلى مليون دولار في السنة. فتجدهم يحيكون المطاط كل يوم ويقطعونه ويحرقونه ويحكون أسفله. وهي عادة تقليدية يقومون بها يومياً”.
“وثم يأتي استخدام الدرابزين بنفس الطريقة. وهي حركة معتادة تقوم بها كل مرة للإحماء وللاستعداد، وقد يجن جنونك إن لم تقم بها. كل هذه الخطوات والعادات، هي من صلب السلوك الاستحواذي القهري”.
وتختم الممثلة بالحديث حول صعوبات الدور الجسدية في (البجعة السوداء): “إنه أمر غريب لأني توقعت أن يقتصر الألم على تمارين الرقص، لذا حين شعرت بالألم في المشاهد الخالية من الرقص، كان الأمر مفاجئاً ومؤلماً (تضحك الممثلة). وذلك كمشهد الشجار في غرفة الملابس حين كنا نختنق وخلافه، وهو ربما أصعب مشهد لأنني لم أتوقع أن يكون بهذه الصعوبة. فأنا لا أذهب للعمل بالتفكير ‘اليوم سيكون صعباً‘ وهو ما حصل فعلاً. كان فيلماً يتطلب جهداً جسدياً كبيراً، وقد اعتقد أن الألم سينتهي مع نهاية تصوير مشاهد الرقص، وليس العكس (تضحك)”.

اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
