Footnote – 2011
أعلم مسبقاً أنه سيأتي هناك من يقول لي كيف أتجرأ وأتحدث عن فيلم كهذا.. كما سبق ووجدتُ نفس السؤال الاستهجاني (بل الاستخواني) أول هذا العام يوم قمتُ بترجمة هذا الفيلم بنفسي من لغته (العبريّة) إلى اللغة العربية.. وأستميحكم عذراً إن قلتُ أنني في السينما لا أفكر إلا في السينما, وعليه فأنا أتجاوز خلفياتي كلها لأطلع على عوالم أخرى وأفكار أخرى, دون أن أتقمص بالضرورة أفكارها أو مقتضياتها, وهذا هو الهدف فقط. ولمن لم يقتنع بوجهة نظري فأنصحه بألا يتابع قراءة الموضوع, وأن يوفر عليّ -من فضله- لومه الذي أعرفه من قبل, فأنا أبحث عن مقوماتٍ معينة في فيلم ترشح للأوسكار. من جديد عذراً على هذه المقدمة, فأنا لا أسعى هنا لا إلى الاستهلال الوقح في قراءتي, ولا إلى الاقتناع بأفكار أخرى معادية لستُ مقتنعاً أساساً بها..
إنه لمن المؤسف لي أن أرى أن السينما الإسرائيليلة أصبحت بمستوى متصاعد عاماً بعد عام, رغم حداثة “الدولة” العبرية أساساً وحداثة سينماها, لا سيما لو قارناها بالسينما المصرية التي لا تعد فقط من أوائل السينمات ظهوراً في الوطن العربي بل في العالم أجمع. ومن المؤسف كذلك أن نرى أن السينما الإسرائيلية -كعموم هوليوود- تستطيع التوجه بأفكارها نحو أهدافها القومية والوطنية وحتى التمويلية, في حين ما زلنا نرى في سينمانا حالات ضعف واستخفاف بالمُشاهد -المحلي قبل العالمي- إلى درجة أننا نكرر الأفكار والوجوه, ونتحدث بأقاصيص رومانسية أو كوميدية أو دراما فوقية ذات حوارات سطيحة أشبه بفقاعات هوائية باتت معفونة منفرّة. ولا أقصد التعميم, لكنها الغالبية العظمى في ما نقرأ عنه ونشاهده. فإلى متى ننتظر أن ننظر إلى السينما كهوية, وأن نراها كحياة, وأن نعتمدها كأسلوب انفتاح حضاري للآخرين علينا… إلى متى.. وما أحوجنا اليوم قبل الغد إلى هذا.
“الحاشية” (او في اسمه العبراني: هيأرات شولاييم הערת שוליים) قدم فكرة كبيرة كثيراً ما نعاني منها نحن جيل اليوم كما عانى أسلافنا, وهي الهوة الناشئة دون سبب واضح بين الأجيال ليضعها على المحكّ. الهوّة بيننا وبين آبائنا من جهة ثم بيننا وبين أطفالنا من جهة أخرى. فلشدّما كنا ننظر إلى الأسبقين بصورة جامدة متخلفة, وعلى النقيض فهم يرون في جيلهم وأفكارهم ما يتفوق علينا. وسيأتي دورنا نحن كذلك لننظر بذات الفخار إلى أنفسنا على حساب أطفالنا ولندّعي دوماً تفوقنا عليهم ونصغّر من إنجازاتهم التي دائماً ما سنربطها بأنها كانت أسهل مع التقدم الحاصل لهم. يأتي فيلم “الحاشية” ليدخل بعمق في هذا الصراع غير السهل, وليضع هذا الخصام داخل أسرة واحدة, وليثبت لنا أن هذا الصراع موجود أيضاً ضمن العائلات المتعلمة والمثقفة. ولكنه لا يقدّم لنا تفسيراً ولا حلولاً بعمله بمبدأ النهاية المفتوحة, وأعتقد أن ذلك كان مقصوداً من المؤلف – المخرج الإسرائيلي أمريكي المولد “جوزيف سيدر”, إذ أن هذا الصراع يختلف من حالة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ومن شخص إلى آخر. وعليه فالفكرة التي بُني عليها العمل هي مسألة تشغل الكثيرين من دارسي التطور الاجتماعي, والهوة المتكونة دوماً بين الآباء والأبناء هي مادة دسمة للباحثين لا يبدو أن ردمها أمر يسير.
لن أنكر أن نص الفيلم مدهش ومثير, لذا فلم أكن لأستغرب أساساً أن يحصل على الأوسكار الفائت عن فئة أفضل فيلم أجنبي رغم يقيني بقوة “الانفصال” الإيراني, وأعتقد أن حصوله على هذه جائزة النص في مهرجان “كان” كان أمراً محقاً وعادلاً فلا أرى أنه تظهر فيه أية أخطاء أو ثغرات. ومن جمالية القصة التي عمد إليها “سيدر” هو الأسلوب الفكاهي في سرد الأحداث والتفاصيل, فالتحدث عن هكذا صراع نفسي مجهول الأسباب ليس أمراً مستساغاً فيما لو تم تناوله بطريقة جدية, خاصة أن الشخصيات التي اختارها هي شخصيات علمية في “التلمود” الشيء الذي لا يعرف عنه كل المشاهدين, وهذا إن كان وسيلة حاذقة للفت نظر هؤلاء المشاهدين للبحث عن شيء يجهلونه وبالتالي التسويق الثقافي الإسرائيلي الذي تحدثتُ عنه من قبل, هو مشكلة أحسن “سيدر” التعاطي معها في عدم الخوض في تفصيلات دينية, وفي بناء الشخصيات بناءً شخصياً طريفاً إنطلاقاً من داخل منزلها ومكانتها الإجتماعية لا من مستواها الثقافي, ليطرّي صعوبة الفهم من خارج المشاهدين اليهود.
الأب الجامد “البروفيسور إليعازر شكولنيك” (شلومو بارأبا) هو عالم لغوي وبروفيسور باحث في قسم الدراسات التلمودية في الجامعة العبرية في القدس, يبدو كمدرسة قديمة في تخصصه. هو شخصية جامدة عنيدة منضبطة ملتزمة في كل أحاديثها, جادة وقورة ولا تقبل الانزياح عن مبادئها, مغرورة ولربما أصولية. يعزل بنفسه نفسه عن عالمه حين يجلس إلى مكتيه ويضع على أذنيه سماعات صفراء كبيرة, وحتى أنه لا يشارك زوجته (الدكتورة يهوديت) الفراش! مع ذلك فمقتنا الشديد لشخصه في أول الفيلم سنفهم مبرراته لاحقاً, ثم سنجد أنه شخص عادي يعيش حالة من الاكتئاب والإحباط في ظل فشله أولاً في نشر بحث حياته الذي تعب عليه أعواماً كثيرة مستخدماً الاستدلال والاستنتاج فيه, فسبقه إليه أحد أترابه “البروفيسور يهودا غروسمان” الذي عثر بالصدفة على مخطوطة تظهر فوراً نتيجة ما كان يعمل “إليعازر” عليه لأعوام فنشرها “غروسمان” دونما تعب, وحصل على الشهرة من خلالها, محطماً دون أي جهد حياة “البروفيسور شكولنيك” وقاضياً على بحثه الطويل الذي ظهر مكرراً عندها لا يحمل الجديد بالرغم من كل العمل التفصيلي العميق. ويبدو أن هذه الحادثة جعلت فيما بين هذين البروفيسورين تنافراً أدى إلى نوع من الكره الاجتماعي والتهميش للبروفيسور “شكولنيك” مع الترحيب بإنجازات البروفيسور “غروسمان” الذي أصبح عضواً في لجنة جائزة “إسرائيل” العلمية السنوية, وهذا كان كفيلاً بإبعاد “إليعازر شكولنيك” عن الحصول على هذه الجائزة إلى الأبد, وتحويل الجائزة إلى حلم بعيد المنال بالنسبة إليه. وكنوع ربما من الإذلال له من خلال الخسارة المتعمدة, ومن الاستحقاق العلمي للحفاظ أمام الناس على القيمة العلمية للجائزة, فقد كان البروفيسور “إليعازر شكولنيك” يُرشَّح إلى الجائزة على مدى 16 عاماً دون أن يفوز. أما ابن “إليعازر” الملتمع النجومية البروفيسور الشاب “أريل شكولنيك” (ليور أشكنازي) والذي اختار نفس تخصص والده كباحث في قسم الدراسات التلمودية في الجامعة العبرية, فهو شخصية دمثة قريبة من الناس, اجتماعية لطيفة ودودة مرحة, ويبدو أنه كذلك صاحب إنجازات هامة في تخصصه إلا أنه من الواضح أن والده ينظر إلى هذه الإنجازات على أنها أمور سطحية خفيفة لا تستند إلى الدقة التي يتصف بحثه هو بها. ولم يكن الصراع بين المدرسة القديمة والحديثة ونجاح الحداثة فقط هو سر اكتئاب الوالد, بل كم هو عسير على الوالد أن يرى أن كل مجهوداته التي قدّمها لمهنته خلال حياته لم تثمر وأنه أصبح يُقدّم في احتفاليات التكريم على أنه والد بروفيسور ناجح هو “أريل” دون إشارات فعلية له هو, ومن المضحك أن نرى الإشارة الساخرة إلى أن إنجاز “إليعازر” الأفضل في حياته هو حاشية أشار إليه فيها أستاذه ذائه الصيت “فينشتاين” في كتابه التذكاري! وعلى المقلب الآخر “أريل” البروفيسور الشاب الودود لا يقدم ذات البشاشة لولده “يوش”, بل نرى أنه يتدخل في كل تفاصيل حياة ولده بما فيها اختياراته الدراسية والجامعية. ليضعنا العمل من جديدأمام ذات المشكلة المتجذرة بين الأجيال, على أنها مستمرة جيلاً إثر جيل.
عقدة العمل الكبرى هي جائزة “إسرائيل”, فبعد أن كانت النتائج ضمن اللجنة تشير إلى فوز “أريل” بالجائزة, فقد حدث خطأ بسيط قامت به السكرتيرة المكلفة بنقل الخبر إلى “أريل” تسبب بكارثة كبرى. حيث اتصلت السكرتيرة بالجامعة العبرية وطلبت وصلها هاتفياً بالبروفيسور “شكولنيك” دون أن تدري بوجود شخصين بذات الاسم هناك.. فتم وصلها بالأب “إليعازر” بدل “أريل” فقامت بإبلاغه بأنه هو الفائز بالجائزة, وبين تفاجئه بالأمر وفرحه وعدم تصديقه تغيرت الكثير من التفاصيل والإنطباعات عند “إليعازر” وبات في ساعات شخصاً آخر مفتخراً بنفسه, وشعر بأهمية المفقودة منذ زمن, وارتسمت الابتسامة على شفتيه, بل إنه اعتبر ذلك انتصاراً لمدرسته. لكن الورطة التي تم وضع اللجنة فيها لم تكن لتمر, حيث استدعت اللجنة (ومن ضمنها البروفيسور غروسمان العدو اللدود لإليعازر شكولنيك) الفائز الحقيقي وهو البروفيسور الشاب “أريل” لتشرح له الأمر. وتملكت “أريل” نوبة من الصدمة والحيرة والإندهاش, تحت إصرار اللجنة أن تعود الجائزة إليه كونه مستحقها لا إلى والده الذي تم إبلاغه خطأً بالأمر.. وبدأ الصراع الداخلي العملاق الذي أجاد “ليور أشكنازي” في أدائه…. “أنا أم والدي”.. و”لماذا أنا وليس والدي”.. و”ماذا لو كان والدي لا أنا”.. وعلى النقيض “ماذا سيحدث لوالدي لو كنتُ أنا” وإنه لا شك لمن الصعوبة أن يكون الوالد والابن مرشحين لذات الشيء. والأكثر إزعاجاً في الأمر هو إصرار البروفيسور “غروسمان” على عدم تمرير الأمر رغم معرفة الجميع بأن “إليعازر” يستحق جائزة منذ سنين, ولربما كان يريد بذلك إذلال الوالد بإعلان فوز الابن أمامه بعدد سحب الجائزة منه, ولما لاقى “غروسمان” رفضاً من “أريل” لتسلم الجائزة بدل والده الآن بعد أن تم إخطار الأب بالفوز خشيةً على صحة والده الجسدية والنفسية, كانت صدمة “أريل” الأخرى فقد قال له “غروسمان” أن فوز والده بالجائزة هذه المرة سيعني القضاء على مستقبل “أريل” أيضاً لأن “غروسمان” لن يتنازل وأنه سيهمّش “أريل” كما همش أباه “إليعازر” من قبل وأنه يسيطر على كل اللجنة, وأن على “أريل” أن يختار : إما أن تعود الجائزة له وبالتالي حدوث تلك الصدمة لوالده.. أو التخلي عن الجائزة سراً لوالده مع علمه المسبق بأنه يقضي عندها بنفسه على مستقبله الشخصي. وضمن هذه التناقضات يختار الابن أباه في مشهد ولا أروع, لتنتقل له حالة الإحباط والإكتئاب والأسى.
بعد ذلك تبدأ شخصية “إليعازر” داخل الفيلم بالتطور, فنكتشف جوانب أخرى في شخصية البروفيسور الوالد. فهو ليس مجرد شخص جاف, لكنه حاذق الذكاء, فبعد انتهاء حالة النشوة بالنصر, بدأ الوالد بالتفكير, وبدأ باستقراء تفاصيل الاتصال الهاتفي وخطاب التبليغ بالفوز, ثم راجع نفسه وإنجازاته, وراجع إنجازات ولده “أريل” وكلماته وخطاباته, فتراءات له الحقيقة التي ما كان بمقدوره أن يتحقق منها. فعادت له حالة الاكتئاب من جديد, بل ترافقت الآن بنظرة الحيرة من إحساسه المتصاعد بتخلّي ولده عن الجائزة له. وذلك الصراع الداخلي الذي أبدع “أشكنازي” في أدائه عاد الآن معكوساً ليبدع (شلومو بارأبا) في أدائه من جديد.. “أنا أم ولدي” ولماذا أنا وليس ولدي” و”ماذا لو كان ولدي حقاً لا أنا”.. و”ماذا قدم ولدي من تنازلات كي أكون أنا”..
جودة نص العمل -الذي يتحدث عن قصة تحدث في أي زمان أو مكان لا فقط في الدولة العبرية- تكمن في مناحي عدة, أهمها تصاعده البارع مع تصاعد الأحداث, وترك مساحات واسعة عريضة للشخصيات للتحرك وإظهار أدواتها التمثيلية, وتطعيم العقدة التي تنحى منحىً ميلودرامياً بلمسات فكاهية جميلة تزيح عنا الإنخراط في حالة المقت مع شخصيات الأبطال, أما الافتتاحية التي حملت تقديماً نوعياً لشخصيات العمل على شكل خطاب ضمن احتفال فقد كانت اساسية لتعريغنا بالشخوص, ثم اعتمد “سيدر” على سرد كتابي لبعض العبارات مستفيداً من كون أبطال فيلمه هم باحثون في “مخطوطات تلمودية”, مستعيراً في كثير من الأحيان جوانب تلتصق صفاتها بحياة الإسرائيلين, كنقاط التفتيش مثلاً, ليرمز إلى ما هو أبعد من أنها مجرد نقطة تفتيش كتذاكي البوابين التافهين على حساب الناس إذ يظنون أنهم هم الهامون وهم لا يعلمون من هوية ضيوفهم! فريق التمثيل كان موفقاً إلى درجة كبيرة فبين نجاح جمود (بارأبا) وحيوية (أشكنازي) كان هناك طرف ثالث أدى دوره بشكل دقيق كذلك هو (ميكاخ ليونسون) الذي أدى دور “غروسمان” البروفيسور الجاف الثقيل المغرور المزهو بقدرته على إقصاء أو إبقاء من يحب وتسليط الضوء, كأنه شخصية عابرة من مجتمع عربي خاضع للوساطة والمحسوبية واللعب من تحت الطاولة! مونتاج الفيلم وحركات الصورة وتنقلاتها بين الأزمنة كانت مريحة نسبياً لعين المشاهد وموفقة, ولكن سأسجل ملاحظة على موسيقى العمل التي كانت بالنسبة لي تظهر قديمة جداً آتية من رسوم كرتونية فكاهية قديمة وكنت شخصياً أتمنى لو تم اختيار موسيقى أكثر تعبيراً وأكثر قرباً زمنياً من الأحداث رغم أنها ربما محاولة للهروب من ميلودراما الأحداث.
بعض العبارات التي أعجبتني في نص الفيلم على لسان الشخصيات:
– إن كنا نريد أن نحدد مهنتنا علينا أن نصف بدقة ما نقوم به.
– في الحقيقة, وفق المنطق لا يوجد أشياء جميلة, يوجد إما صحيح أو خاطئ.
– كلام الحمقى بلا برهان.
– ربما كل فروعك سيكونون مثلك.
– هناك الكثير من الأشياء الصحيحة في عملك, والكثير من الأشياء الجديدة, والمشكلة أن الأشياء الجديدة ليست صحيحة, وأن الأشياء الصحيحة ليست بجديدة! ولكن هذا ليس سيئاً بالضرورة.
Footnote صورة من صور السينما الذكية, وقصة مؤثرة مضحكة مبكية معاً, تستحق المشاهدة والتوقف عندها.







فلم ذكي جدا من ناحية جذب المشاهد على الرغم من عدم معرفتنا بالتلمود.طريقة اخذ اللقطات واحجامها كانت رائعة وحساسة بحيث تدخل الى عمق نفسية الممثل. واحببت النهاية المفتوحة للفلم فالمتشاؤم سيتخيل نهاية للفلم غير المتفائل في مثل هكذا نهايات