عمارة يعقوبيان – 2006

“البلد دلوقتي مش محتاجة مهندسين، محتاجة صيّع… حرامية.”

بقلم مهند الجندي.

“ذكريات كل الي فات… فكرا يا بلدي… كنا بنقول إن الفراق دا مستحيل… وكل دمعة على الخدين كانت بتميل.” نعم، ما بين مصر القديمة الثائرة، والجديدة الرذيلة: “أنا أقدم واحد في العمارة”…ماذا سيحل بالحديث فيها إذن؟

بينما ترفرف الموسيقى التي وضعها خالد حماد فوق مجريات فيلم (عمارة يعقوبيان) للمخرج مروان حامد والكاميرا تحوم فوق أكتاف ضمائر شخصياته، تتهادى أفكار كل واحد منهم عند الحاجة الماسة لشراء السعادة واقتناء الانتماء في حقبة بات يتوجب على المرء فيها أن يتحدث بحروف الخطيئة وأن يشدو ببلاغة الفساد، وإن عجزت عن نطقها، تطولك أيدي الحرام والزوال والعقاب والتطرف.

يجلس زكي باشا (عادل إمام) في حانة شعبية رثة يعكسها زحف عدسة الكاميرا على حذاء شخص بذات الاهتراء، يراقب نادلة المكان منتظراً إشارة منها كي تسقيه كأساً من هناء الشهوة. يجلس الحاج عزام (نور شريف) في حلمه ليمسح الأحذية ويشبع نفسه من لذة نساء تبخرت من واقعه. في حين أن حاتم رشيد (خالد الصاوي) الشاذ جنسياً ينقب عن إشباع رغبته السرية من على ناصية الطريق ويمهد لها جيداً قبل أن يغويها ويسلم نفسه لها كلياً. وثلاثتهم يقطنون في نفس العمارة ذات الماضي المشرق والحاضر المظلم.

هذه القفزات التي يقوم بها مروان حامد بمساعدة التحرير المبهر من خالد مرعي – إلى جانب المرور على قصص الشخصيات المساندة المتشعبة – تتجمع في شقق عمارة يعقوبيان (الموجودة بالواقع) وكأنها درجات ومستويات متفاوتة من الانحلال والفشل الشخصي، والإحباط والفقر الاجتماعي المصري، وانعكاساتها على أفراد فقدوا بوصلتهم الحضارية في دولة وفرت للانفتاح مسميات ومبطنات مشوبة اضمحلت معها صورة “أم الدنيا” العتيقة.

بيد أن أهمية العمل لا تنحصر على جرأته وحدة مواضيعه غير مطروقة بهذا الشكل من ذي قبل وحسب، بل إنما أيضاً بنفضه الغبار عن أسطح مليئة بالأسرار تعج المجتمع المصري والكثير من أشقاءه العرب بمعالجة ناضجة هادئة يعود الفضل الأكبر بها إلى السيناريو الرصين الذي كتبه وحيد حامد اقتباساَ عن رواية علاء الأسواني المعروفة بنفس العنوان (رغم وقوعه أحياناً في هفوات رباعيات الحواديت المصرية وميلودرامياتها؛ حيث النقطة نفسها تتكرر أكثر من مرة وفي عدة مشاهد، عدا عن مباشرة السرد القصصي المعهود في السينما المصرية).

طالع أحد أهم إنجازات الفيلم الفنية، التي يبصم بها المخرج الواعد مروان حامد أسلوبه الإيحائي الخاص (أخرج في العام 2009 فيلم جيد آخر بعنوان “الجزيرة” من بطولة أحمد السقا): يعود زكي باشا إلى الحانة بعد أن سرقته الفتاة التي نام معها في مكتبه، ومنها خاتم أخته المتسلطة، غير أنه يواجه صاحب الحانة (طلعت زكريا) الحازم، ويتلقى منه توبيخاً مفزعاً لم يكن يتوقعه قط. يزن مروان حامد هذا المشهد بعناية، بتنقله بين وجهي الممثلين؛ فكليهما يرمز لشيئين يعبران عن سخرية الوضع هناك: الباشا منزعج من سرقة فتاة الليل له رغم أنه قد فرغ من ارتكاب فاحشة معها للتو، وصاحب البار الذي يشرف على إذهاب عقول زبائنه يومياً يرى أن: “دا محل محترم، نحن هنا بنقدم المشروب وبس، أي حاجة تانية لأ، احنا ناس محترمين، عشان كدا أنا طردت رباب، وانت كمان مطرود”. يغادر زكي باشا الحانة باعترافه أنه قد غفل هوية الشخص “القواد” الذي يحاوره، فتعريف القوادة تغير.

تستر المرء على هويته الأولى أو الحقيقية أو المصطنعة – بغض النظر عن الأديان المختلفة المعروضة في الفيلم – وتقنعه بأخرى فاسدة أو مزيفة أو مضللة، ورفض المجتمع بتقبل الرجل الشريف أو المرأة الكادحة، ومفارقات القواد المحترم وتاجر المخدرات المتدين والفتاة العاملة المهانة والشاب الطموح المحكوم عليه بوظيفة والده هي بمثابة المعطيات التي تشحن العمل بقوته الدرامية وتناقضاته المحبوكة بهدوء سينمائي تجدر الإشادة به (ناهيك عن التصوير الأنيق الذي أوصل ميزانيته إلى مبلغ 4 ملايين دولار أمريكي)، مما يذكر بكلاسيكيات السينما المصرية في الفترة ما بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي، وفيه يقدم عادل إمام أفضل أداء له ربما منذ فيلم (طيور الظلام) للمخرج شريف عرفة في العام 1995، وهو كذلك من كتابة وحيد حامد المهم والغني فكرياً دوماً. تماماً مثل هذا الفيلم العربي النادر بعمقه، والذي يقول بأن التاريخ المنير وإن انطفئ، يمكن إضاءته مجدداً في حال كان للمواطن خيراً له في بلده، وإلا لن يكون له خيرٌ في أحد أبداً، وهي المأساة العارية.

IMDB

أفاتار غير معروف

لا تعليقات بعد على “عمارة يعقوبيان – 2006

اترك رد

اكتشاف المزيد من كلام أفلام

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading