For Lovers Only – 2010

أردنا أن نمشي بعكس كل شيء يمكن أن تقوم به بشكل نموذجي عندما تصنع فيلماً. فقط أوجدناه وتركنا الناس لتعثر عليه. إنه فيلم خُلق من لا شيء, لذا فالسؤال الكبير هو كم يمكن أن يذهب بعيداً؟
مايكل بوليش – مخرج الفيلم
كانت الفكرة أن نعود إلى الطاقة الحقيقية في صناعة الأفلام, وقد صنعناه كلياً تحت الرقابة اللصيقة فلا أحد عرف عنه.
مارك بوليش – مؤلف الفيلم
هو ليس فيلماً! هو رسالة حب مكتوبة على الشاشة.. أو حلم عاشقين بالتلاقي بعد طول فراق.. هو حكاية هيام لا يموت ثم خطيئة لذيذة تبحث عن الغفران فلا تجده.. توليفة من لحظات العشق الجميلة والحزن العميق.. جو مدمج من الكآبة والفرح والإلهام واليأس.. ومضات ينتفي فيها العالم وينعدم وجود البشر, فيصبح الكون كله ملكاً لثنائي صهر الحب قلبيه.. قبل أن يصحوا ليجدا أن تلك الأزمنة المسروقة وأحاديث الذكريات قد تأخرت جداً, وأن البشر لم ينعدموا حولهم.. وأنه لا يمكن للحب أن يعيد الوقت إلى الوراء. مهلاً.. قبل أن يبحث أحد عن الفيلم في أي مكان.. فأنا أعرف تماماً أنه لم يحصل على جوائز.. وأعرف تماماً أنه غير شهير.. وأعرف تماماً أن القصة مبتذلة نسبياً.. إلا أنه من العسير لي أن لا أحترم تجربة بسيطة لفيلم مستقل أخرج من العدم بلا ميزانية.. تجربة حملت الكثير من التقاطعات والمشاعر الغزيرة التي كثّفت لقطات سينمائية جميلة قديمة جديدة لتخرج في ما يقارب الساعة والنصف سيلاً من العواطف الحصرية للعشاق..

حقاً.. هي السينما كالحرباء!.. تتكيف وتتأقلم مع كل شيء ولا تعاني من أية مشكلة في ذلك.. فيوم ظهرت “المونودراما” أو مسرح الشخص الواحد كانت معجزة مسرحية تتطلب الكثير من الذكاء الكتابي للمؤلف والإبداع الأدائي للممثل.. وقد ترسخت أفكار “المونودراما” مع ظهور “فرويد” والمدرسة النفسية التي ركزت على المشاكل الداخليى.. ولم تجد السينما مشكلة في أن تكرر تلك المعجزة دونما وجل من إصابة المشاهد بالملل.. في حين فشلت الكثير من التجارب التلفزيونية بالخصوص.. فكان مثلاً فيلم (Secret Honor – 1984) وفيلم (Monster in a Box – 1992).. ورغم تضاؤل هذه النوعية فما زلنا نشاهد شيئاً يقارب one-man-show.. فكل فترة تطالعنا السينما بأفلام شبه منفردة توقفنا كثيراً أمامها.. وتعتمد على الممثل نفسه في فترات طويلة جداً من الزمن, وحولها يخطر في بالي فوراً (Cast Away -2000) الذي قدمه “توم هانكس” بمجهود خرافي.. ولعل آخر هذه النوعية بالنسبة لي كان فيلمي (Moon – 2009) لـ”دنكان جونز” الذي لا أستطيع إلا أن أعجب بما قدمه “سام روكويل” من أداء متمكن.. كذلك كان فيلم “داني بويل” (127Hours – 2010) الذي قدّم لي “جيمس فرانكو” بصورة أخرى كبيرة كانت جديدة عليّ.. وفي العادة فإن استخدام الفن الإنفرادي كان لأحد سببين.. أحدهما هو التحدّي والذي يحتاج موهبة بارعة ما قد يجعل المؤدي يطالب بأجر أكبر طالما أنه حمل جلّ أعباء الفيلم.. والآخر هو تقليل النفقات في حال كان من سيشارك في العمل هو منتج له وبذلك فهو لن يطالب بأجر أتعابه. في عمل (For Lovers Only) لسنا أمام تجربة منفردة حقيقية فعلية.. نحن تقريباً أمام ثنائي منفرد يذوب معاً فتصبح ذكرياته وتصرفاته محركاً للأحداث التي رغم هشاشتها وسطحيتها كانت كافية لإظهار أداءات جيدة من الثنائي. أما ولو عدنا إلى السببين المذكورين فأخالنا نقترب كثيراً من السبب الثاني.. فنحن هنا أمام عمل مستقل لا تقف خلفه شركة إنتاج ولا تقدم له ميزانية, حتى أننا نجد المخرج ممثلاً. وفي الحقيقة فلا شك أنه حدث نادر حين تعترف هوليوود بفيلم (رخيص) دون ميزانية.. فيلم أُنجز خلال 12 يوماً فقط مع ميزانية معدومة كلياً لا للإنتاج ولا للتسويق.. حين حمل التوأمان “مارك ومايكل بوليش” كاميرتهما المحمولة (DSLR Canon 5D Mark II) وانطلقا للتصوير مستفيدين من صداقاتهما ليجمعا طاقماً صغيراً (بل شبه معدم كذلك).. أفلا يستحق الفيلم إذاً أن أترجمه؟!

القصة ببساطة هي قصة عاشقين قديمين افترقا على أثر حادث لم يتم إيضاحه.. وعاد بهما القدر لتجمعهما باريس من جديد بعد ثماني سنوات على فراقهما القديم فيها أيضاً حسب ما نستنتج.. “صوفيا” (ستانا كاتيك) الكاتبة والصحفية البريطانية الجميلة وعشيقها القديم “إيف” (مارك بوليش) المصور الأمريكي الذي يبدو أن الصدمة العاطفية قد سببت له الكثير من المعاناة النفسية التي حولت من مهنته في البحث عن مواطن الجمال شيئاً من البحث عن مواطن الأسى. وفور لقائهما العابر يبو أن العاشقين قد قررا أن يتلاقيا ربما على السبيل الفضول أولاً ليعلم كلّ منهما عن حياة الآخر.. إلا أن الصدفة العابرة كانت كفيلة بإشعال جذوة الحب من جديد.. والبداية الفضولية لم تستطع إيقاف انجرافهما في مشاعرهما من جديد.. وحين أحس كل منهما بجروح الآخر, استفاق فيه عشقه القديم له.. فأوقف كل منهما مشاريعه المهنية, وبدءا أسبوعاً من الأحلام نسيا فيه كل الماضي وكل الحاضر.. وانصهرا معاً.. وكأن الكون خالِ من أي شخص آخر.. ولكن هيهات أن يعود الزمن إلى الوراء.. فقد نسي هذان المجنونان أن لكل منهما عائلته الخاصة.. وأن العلاقات المتشابكة التي أسساها خلال السنوات الثمانية من انفصالهما ما عادت يمكن أن تسمح لهما بالعودة معاً. و(راحت السكرة وجاءت الفكرة) فقرر كل منها أن بعود إلى حياته, وبات الوداع المر ضرورة لا بد منها, ليحتفظا على الأقل بما بقي لهما من ذكريات جميلة لبعضهما الآخر. ويدركان فجأة أن الحب العظيم الحقيقي ما هو إلا ارتباط روحي عميق, أكثر منه تواصل فيزيائي عابر اللذة.. والوشم الذي حمل اسم “صوفيا” على كتف “إيف” والذي حوّله الأخير إلى “ذئب” فعاتبته صاحبته عليه.. كان أسهل من الوشم الذي وشمته “صوفيا” نفسها بعد ذلك على فخذها باسم رجل آخر..!
أشعر أن العلاج يحتاج الكثير من الوقت لكي أتغلب على الأمر..
ما فعلناه فضيحة! ما فعلناه حقيقة!
الحب لا يقهر.. ولا يمكنك أن تتعامل معه ببندقية.. وهذا بالضبط ما يجب أن نقوم به.

ثمة احتفالية ما بسينما الموجة الفرنسية الجديدة نراها بوضوح عندما نشاهد فيلم (للعشاق فقط)؛ ليس فقط كفيلم بالأبيض والأسود, أو التصوير بأقل ميزانية وبكاميرا محمولة مع استخدام الطبيعة.. بل حتى في طريقة المونتاج التي اعتمدت المشاهد الطويلة المتقطعة المركبة بشكل ممتاز.. مع عدم إحساسنا بالأزمنة فعلياً.. ونشعر على الدوام بمسحة حزن مخبوء خلف جو المرح الذي تنطق به الشاشة كشيء يعكر على العاشقين سعادتهما ببعضهما.. ولا شك أن “مارك ومايكل بوليش” تقصدا أن يظهرا في مشاهدهما ما يوحي بثقافتهما السينمائية من (A Hard Day’s Night) إلى تحيتهما للأفلام العاطفية الكلاسيكية القديمة مثل (Roman Holiday) أو (From Here to Eternity) أو (Pretty Woman) على هيئة اقتباس لحظات أيقونية في الرومانسيات الهوليودية.. فهنا تترك السيارة على الشاطئ, وهنا يتبادل العاشقان القبل تحت وشاح قماشي شفاف, وهنا يجتمع العاشقان في حوض الاستحمام… الموسيقى والأغاني تم توظيفها بشكل رائع لوضعنا في الجو الصحيح جداً.. حتى الانطباعات الخارجية التي رافقتنا مع استخدام الطبيعة لا الاستوديوهات من شروق وغروب وغابات وشواطئ وأمطار….. كانت تجعلنا بحقّ نعيش حلم العاشقين في لحظات المرح ونحسّ بمعاناتهما في لحظات التوتر.. أما فهمي الخاص لعدم استخدام الألوان فهو لجعلنا نركز أكثر على العلاقة التي يطرحها العمل بدل أن ننجذب إلى الصورة المميزة للمعالم الفرنسية.. صحيح أننا ربما لو اقتطعنا أي جزء من الفيلم لشعرنا أنه يشبه إلى حد ما إعلاناً عن عطر أو هدايا معينة (أو حتى تافهة) يتبادلها العشاق ليشعرا بسعادة غامرة.. ورغم هشاشة السيناريو الذي لاحظت تكراراً ليس له داعٍ في عباراته, والذي يبدو أن العبثية في حواراته والتي جعلت منها على الغالب حوارات لا تعلق في البال تدخل في أذن وتخرج من أخرى كانت مقصودة نسبياً لتجعل من علاقة العاشقين شيئاً مرتبكاً.. لكن أظن أن القصة قد ارتفع مستواها بالنهاية الكلاسيكية الجميلة التي أنهت حلماً رومانسياً فوقياً أو غير واقعي بطريقة واقعية تجعل من الحب ذكرى وسبباً للبحث عن البهجة وسبباً من أسباب الحياة وهذا ما تم التعبير عنه بعودة اللون في المشهد الأخير في حقل الزهور الصفراء.. طبعاً بصرف النظر عن أن الفكرة لا تناسب المجتمعات الشرقية على الإطلاق. رغم ذلك فالنص الهش أحاط بشخصيتي “صوفيا” و”إيف” إحاطة تستحق الذكر, وقدم مشاهد مميزة أثيرة بالاهتمام… وأخصّ منها مشاهد تراجيدية عميقة؛ كان أحدها مشهد أضفى عليه المؤلفان بعض الكوميديا السوداء حين طالبت المحررة “إيف” بتصوير شيء غير “الحمام الميت”.. والمشهد الثاني كان لقاءه مع “صوفيا” على ضفة النهر حين دار الحديث التالي:

– لقد فقدتُ عينيّ.. .هذا ما أخبرني به الآخرون على الأقل.
– عن ماذا تتحدث؟
– أنا لا أرى ما يريدون .. محررو المجلات.
– وماذا ترى؟
– أنتِ.. أجزاء منكِ في كل مكان.. أنتِ في كل شيء.. كل شيء.. أجزاء منكِ.. عيناكِ, أنفكِ, فمكِ…
والآن فقط أصوّر الأشياء
– عندما تتحدث عن الأشياء.. فماذا تعني؟
– الجسور.
– السماء؟
– السماء.
– الجدران اللعينة!
– نعم, والجدران.
– لماذا؟
– الأشياء.. أصوّر الأشياء
الأشياء التي ليس لها عينان..
الأشياء التي ليس لها دماء..
الأشياء التي ليس لها قلب ينبض..
الأشياء.. لقد أصبحت أصوّر أي أشياء وحسب.
إنها معضلة.. هذا ما أحصل عليه.

(للعشاق فقط) حلم رومانسي كبير, يحمل معانِ عميقة وأفكاراً يحلم كل عاشقين أن يعيشانها, مع صحوة أخيرة على واقع لا يتيح لأحد العودة بالزمن نحو الخلف.. ليصبح الحب ذكرى مبهجة عندما تمر في بالنا تحرض فينا الحياة من جديد..
اكتشاف المزيد من كلام أفلام
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.